د. سعدي الابراهيم
حين انطلقت الحملة ضد الفساد في العراق، شعر كثير من المواطنين بأن صفحة جديدة قد بدأت، وأن زمن الإفلات من العقاب يقترب من نهايته. سادت أجواء من التفاؤل، وارتفعت الآمال بأن يرى العراقيون أخيرًا محاسبة حقيقية للفاسدين واستعادة لهيبة الدولة. لكن مع مرور الوقت، خفتت وتيرة هذه الحملة، وتراجع الزخم الذي رافقها، وهو ما كان يخشاه كثيرون منذ البداية.قد يكون من السهل تحميل الحكومة وحدها مسؤولية هذا التراجع، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. فمواجهة الفساد ليست مهمة شخص واحد، ولا حكومة بمفردها، لأن الفساد شبكة واسعة ومتجذرة تحتاج إلى جهد جماعي لكسرها. لذلك، فإن نجاح أي حملة إصلاح يتطلب وجود حاضنة شعبية ومؤسساتية توفر لها الدعم والاستمرار.كان من المتوقع أن تتحول مكافحة الفساد إلى قضية وطنية يتبناها الجميع، وأن تعلن منظمات المجتمع المدني والنقابات والجامعات والعشائر ورجال الدين ووسائل الإعلام موقفًا واضحًا في مساندة كل خطوة قانونية تستهدف الفاسدين. كما كان من المنتظر أن يعبّر الشارع عن دعمه السلمي من خلال المبادرات والفعاليات التي تؤكد أن محاربة الفساد مطلب شعبي لا مجرد قرار حكومي.إن بناء دولة قوية لا يتحقق بقرارات رسمية فقط، بل يحتاج إلى مجتمع يقف إلى جانب مشروع الإصلاح ويحميه. فحين يشعر الفاسد بأن الرأي العام موحد ضده، تصبح محاربته أكثر فاعلية. أما إذا بقيت معركة الإصلاح محصورة داخل مؤسسات الدولة، فإنها ستواجه تحديات أكبر، وقد تفقد الزخم الذي تحتاج إليه لتحقيق نتائج مستدامة.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة