د. سعدي الابراهيم
يُقال في الأمثال الشعبية إن “صاحب اليد الخفيفة” هو اللص المحترف الذي يسرقك دون أن تشعر، لكن الحقيقة العارية تخبرنا بأنه لا توجد يدٌ أخف، ولا أمهر، ولا أسرع من يد الزمن. إنه اللص الأكبر الذي يتسلل إلى تفاصيلنا اليومية، ويسرق أعمارنا بلمح البصر ونحن غارقون في الركض خلف سراب الحياة. تستيقظ يوماً، تقف أمام المرآة كعادتك، لتتفاجأ بوجهٍ غريب ينتظرك هناك؛ إنسان ثانٍ تماماً لم تعهده من قبل. تلتفت يميناً ويساراً لعلّه شخص آخر، لكنها الحقيقة: شعرٌ اشتعل بياضاً، وتجاعيد حفرت خريطتها على الملامح لتروي حكاية السنين. تنزل إلى الشارع، فإذا بالمارة والصغار يلقون عليك التحية بلقب “العم” أو “الخال”، فتدرك فجأة أن قطار الشباب قد غادر المحطة. لم يعد الأمر مقتصرًا على الشكل فحسب، بل امتد إلى الداخل؛ الأجساد التي كانت تضج بالحيوية ثقلت، والحركة التي كانت لا تهدأ قلّت، حتى باتت أبسط الأمور والأصوات العابرة تعكر المزاج وتثير الضيق. إنها رحلة صامتة تأخذنا فيها الدنيا بأيديها، رويداً رويداً، نحو مذبح الموت والفناء. والمفارقة الموجعة أننا نراقب هذا الزحف، ونرى علاماته، ونعرف نهايته المحتومة، لكننا نقف مكتوفي الأيدي، عاجزين تماماً أمام جبروت الوقت.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة