الأحد , أكتوبر 18 2026
أخبار عاجلة
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / كلها براس الفقير

كلها براس الفقير

د. سعدي الابراهيم

لم نكن نستوعب يوماً كيف تنقض الممارسات والقرارات الرسمية على الحلقة الأكثر هشاشة في المجتمع، حتى تجلت هذه الحقيقة جهاراً في الإجراءات المالية الأخيرة، والتي خفضت قيمة العملة الوطنية ورفعت سعر الدولار، لترجم هذا المثل القاسي على أرض الواقع. وفي طرفة عين، ومع التهاوي الخاطف للدينار، أحس العراقيون وكأن عجلة الزمن دارت للوراء لعقود خلت. أحيت هذه الضائقة الكاتمة للأنفاس أطياف ماضٍ أليم ظننا أنه اندثر؛ قسوة سنوات الحصار الاقتصادي، وشبح القحط والشح الذي ألقى بظلاله سابقاً على البلاد. ها هي أيام الضيق وشح الموارد تعاود الكرّة، وكأن التاريخ يصر على تكرار فصوله القاسية، ليجد المواطن نفسه مكرهاً على صراع يومي مرير لنيل أبسط مقومات الحياة. ما يمر به الشارع الآن يتجاوز حدود الاضطراب المالي العابر، إنه تآكل حاد ومباشر للقوة الشرائية لدى أصحاب الدخل المحدود والفقراء. فالارتفاع المنفلت لأسعار البضائع في الأسواق يتزامن مع تهاوي القيمة الفعلية للأجور، ليقف الناس في حيرة عارمة وهم يقلبون وجوههم بين متطلبات الدواء والتعليم والقوت اليومي. لم تعد الضائقة مجرد مجاز يُحكى، بل تحولت إلى انكسار ظاهر على وجوه أرباب الأسر وهم يعجزون عن سداد أبسط احتياجات أبنائهم. ختاماً، تتعدد النهج والسياسات وتتبدل البرامج، لكن الفقير يظل دائماً الجدار المائل الذي تُحمل عليه التبعات. أظهرت الأزمات المتعاقبة أن المعالجات الاقتصادية السريعة غالباً ما تستسهل اقتطاع كلفة الأزمة من عرق المحرومين وصبرهم، ليبقى هذا الشعب متماسكاً وسط أمواج الغلاء العاتية، منتظراً أن يعود للعملة الوطنية اعتبارها، وللعوائل الكريمة استقرارها وأمانها المعيشي.

اترك تعليقاً

?>