د. سعدي الابراهيم
في زوايا الهواتف الذكية، حيث يُفترض أن تُسهّل التكنولوجيا تفاصيل حياتنا اليومية، يتخفى وحش جديد يتربص بأجساد الفقراء والمعوزين. لم يعد الاستغلال اليوم يحتاج إلى مرابين يقرعون الأبواب بوجوه جهمة، بل أصبح يتسلل عبر شاشات مضاءة وتطبيقات برّاقة تعد الضحية بـ “مال سريع بضغطة زر”، لتتحول تلك الضغطة البسيطة إلى قيد محكم يلتف حول أعناق العائلات ويمزق استقرارها.تبدأ القصة بوهم الفرج القريب؛ مبلغ مال بسيط يُقترض لفك كربة طارئة أو لتغطية مصاريف معيشية ضاغطة. لكن خلف هذا التسهيل الظاهري تقبع منصات إلكترونية لا ترحم، تفرض شروطاً مجحفة وفوائد فاحشة تنهك كاهل المقترض. ومع حلول كل شهر، يلتهم هذا الوحش الرقمي جزءاً كبيراً من الراتب عبر استقطاعات تتضاعف باستمرار، حتى يأتي اليوم الذي يجف فيه مصدر الدخل تماماً، ليجد الشخص نفسه وعائلته أمام إفلاس تام وواقع سوداوي لم يكن في الحسبان. لا تتوقف المأساة عند حدود العجز المالي، بل تتعداها إلى انكسار النفس والكرامة. إذ يتحول هؤلاء الضحايا، الذين كانوا بالأمس يعيشون على سُترة رواتبهم البسيطة، إلى محتاجين تدفعهم الحاجة الشديدة نحو التسول ومد الأيدي، تحت وطأة ضغوط مالية تحولت إلى جحيم يُطوق الأسرة من كل جانب. ومع تراكم الديون وتزايد التهديدات، يقع رب الأسرة في شباك عاصفة نفسية وجسدية لا تُطاق، تفرغ حياته من معناها وتضيق عليه الأرض بما رحبت.إن هذا المضمار المظلم يضع المواطن البسيط أمام خيارات أحلاها مر، حيث يتسلل اليأس إلى القلوب ويدفع المقهورين في لحظات العجز المطلق إلى التفكير في نهايات فاجعة كالانتحار، أو ارتكاب أفعال يائسة لم تخطر ببالهم يوماً، فقط للهروب من طغيان الديون التي أكلت الأخضر واليابس. إنها ليست مجرد ظاهرة تقنية، بل بلية مجتمعية تفترس البسطاء وتستنزف كرامتهم. وأمام هذه المقصلة الرقمية، يظل السؤال المطروح: إلى متى تظل هذه المنصات تعبث بمصائر العائلات دون حازم يوقفها؟ إن حماية قوت المستضعفين أضحت ضرورة ملحة قبل أن يلتهم هذا الوحش أجساداً جديدة.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة