د. سعدي الابراهيم
لم تكن التلميحات الدبلوماسية يوماً مجرد كلمات عابرة في المشهد السياسي العراقي، بل طالما حملت في طياتها نذر أزمات يترقبها الشارع بكثير من التوجس. أخيرًا، وبعد فترة من التكهنات والتساؤلات، أدرك الشارع العراقي المعنى الحقيقي والعميق لما قصدته الولايات المتحدة الأمريكية حين تحدثت عن “الواوي وحزام السبع”.
لم يكن الحديث مجرد استعارة بلاغية أو عبارة تُقال في الكواليس، بل كان توطئة لوحش اقتصادي يتربص بالقوت اليومي للناس ويقوض استقرارهم المعيشي.
لقد اتضح للجميع أن هذا “الواوي” لم يكن سوى الارتفاع المتسارع والجنوني لسعر صرف الدولار الأمريكي أمام الدينار العراقي، والتراجع الحاد في قيمة العملة الوطنية. هذا الهبوط في القوة الشرائية لم يكن مجرد أرقام تُتداول في الشاشات المالية أو الصالونات السياسية المغلقة، بل تحول فوراً إلى قفزات متتالية في أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية التي تحتاجها كل أسرة عراقية.
وكالعادة في مثل هذه الأزمات الاقتصادية الخانقة، لم تكن الضربة متكافئة؛ فالسياسي والمقتدر مالياً لم تتأثر مائدته ولا نمط حياته، بينما يتلقى المواطن البسيط الصدمة المباشرة في صدره. العامل اليومي، والكاسب، والموظف البسيط، هم من وجدوا أنفسهم فجأة أمام واقع قاسي يلتهم مدخراتهم الزهيدة ويقلص قدرتهم على تأمين متطلبات عوائلهم.
إن الدرس القاسي من هذه التجربة يكمن في الحقيقة التي بات يتداولها الجميع: الأزمات والسياسات المالية الكبرى تُرسم في الغرف المكيفة، لكن فاتورتها الثقيلة تُدفع دائماً من عرق الفقراء وجيوبهم الخاوية. لقد عرف الشعب العراقي أخيراً من هو “الواوي”، لكن هذه المعرفة جاءت بعد أن دفع الفقير الثمن كاملاً من قوته واستقراره.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة