د. سعدي الابراهيم
مثل الذي يجلس على مائدةٍ للطعام، زُجَّت فيها شتّى المأكولات، فيسأل عن موقع اللحم ليأكله ويغادر، أصبح العالم كلّه يبحث عن الزبدة وعن النهايات دون أن يكلّف نفسه عناء المرور ببقية الأجزاء. يسمّونه عصر السرعة وعصر الاختصار، مرحلة الضجر الإنساني من كل شيء؛ فلا رغبة في الدخول في التفاصيل والتشعّبات. قديمًا كانت مقدمات الأغاني أطول من الأغنية نفسها، هكذا كانت تفعل السيدة أم كلثوم، أمّا الآن فبالكاد يسمعون كلمة أو كلمتين، ثم يقلبون صفحة “التيك توك”، حتى اسم أم كلثوم يعدّونه طويلًا فيختصرونه إلى “ثومة”. كتب المتنبي ومن بعده ومن قبله قصائد لم تعد، في نظرهم، تصلح لزماننا الحاضر، فنحن لا نتمعّن في الشعر ولا نكلّف أنفسنا عناء شرحه وتفسيره، وكل ما قد نفعله هو قراءة المشهور منه مصادفةً إذا زُجَّ به أمام أعيننا في منصات أو وسائل التواصل. وكذلك المؤلفون، كانت كتب بعضهم تتكاثر حتى تصير مجلدات، أمّا اليوم فمن يفعل ذلك كأنما يرميها على الرف أبد الآبدين لأنها لن يُقرأ. يوقفنا صديق ليشرح حالته فيطول الكلام، ونحن نردّد في داخلنا: كفاية، وتأتينا نشرة الأخبار فنضغط زر كتم الصوت ونقرأ الشريط على عجل لأننا مستعجلون جدًا، نريد مجالًا أكبر، لا لنستعمله في العمل والإنجاز، بل لنضيّعه في هدر الوقت والعبث غير المفضي الى نتيجة.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة