الخميس , أبريل 30 2026
?>

عبث الحياة

د. سعدي الابراهيم

عبثُ هذه الحياة لا يتوقف عند حدودٍ معينة، بل يمتدّ ليُلهينا عن حقيقةٍ واضحةٍ لا لبس فيها: أننا نسير بخطى ثابتة، وإن بدت متباطئة، نحو حتفنا الأخير. هذه النتيجة نعلمها جميعًا، وندركها في لحظات الصفاء النادرة، لكن الحياة، بدهائها، تُجبرنا على نسيانها، أو على الأقل تأجيل التفكير فيها.

تُدخلنا في مطبّاتٍ متلاحقة، وتدفعنا في دروبٍ متعرجة، لا بداية واضحة لها ولا نهاية مُحددة. تنشغل عقولنا بمشاكل لا تنتهي؛ مع أنفسنا حينًا، ومع المجتمع حينًا آخر، ومع العالم بأسره في أحيانٍ كثيرة. صراعات صغيرة وكبيرة، هموم يومية، طموحات لا تُروى، وخيبات تتكرر. ومع ذلك، إذا تأملنا المشهد من بعيد، سنجد أن هذا الضجيج كلّه يكاد يكون بلا غرضٍ حقيقي، ولا مصلحة نهائية تُبرره. كأنما هو جزءٌ من فوضى كبرى، نسير داخلها دون أن نفهم قوانينها، أو نملك القدرة على تغيير مسارها.

عقولنا، في العمق، تفهم ما يجري. تدرك هشاشة هذه الرحلة وقصرها، لكنها في الوقت نفسه تتواطأ مع إيقاع الحياة ضدنا. كأن في داخل كل إنسان زاوية خفية، أو خلية صغيرة، مهمتها أن تُخفف من وطأة الإدراك، ولو على حساب الوضوح. تجعلنا نغفل عمّا نعرف، ونتجاهل ما نفهم، فنستمر في الركض، رغم علمنا بأن خط النهاية واحد. وحتى لو وعينا كل ذلك، هل نملك القدرة على التغيير؟ هل نستطيع أن نخرج من هذا السياق المفروض؟ ربما يكون الجواب: كلا. فالحياة لا تمنحنا سوى خيار واحد، أن نعيشها كما هي، أن نُستهلك في تفاصيلها، وأن نمضي معها حتى النهاية. نُراكم الأيام، ونُبدد الأعمار، ثم نرحل بصمت، وكأن كل هذا العبث لم يكن سوى فصلٍ عابرٍ في قصة أكبر منا.

اترك تعليقاً

?>