الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / رياضة / نجم أستراليا السابق: أرنولد «الرجل المناسب» لمعجزة العراق.. وهذه سيرة 4 عقود من التحديات

نجم أستراليا السابق: أرنولد «الرجل المناسب» لمعجزة العراق.. وهذه سيرة 4 عقود من التحديات

سلّط النجم الأسترالي السابق روبي سلاتر، الضوء على الإنجاز التاريخي للمدرب غراهام أرنولد مع أسود الرافدين، معتبرا أنه “الرجل المناسب في الوقت المناسب” لقيادة منتخب العراق إلى نهائيات كأس العالم بعد غياب دام 40 عاما. وفي مقال نشره موقع Football360، استعرض سلاتر علاقته الطويلة مع أرنولد التي تمتد لأكثر من أربعة عقود، كاشفا عن المحطات المفصلية التي شكّلت شخصية المدرب، بدءا من بداياته الصعبة في التدريب، مرورا بتجاربه مع المنتخب الأسترالي، وصولا إلى إنجازه الأخير مع العراق. وأشار الكاتب إلى أن نجاح أرنولد لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تراكم خبرات طويلة، شملت إخفاقات وتحديات كبيرة، من بينها خيبة كأس آسيا 2007، والضغوط التي واجهها خلال تصفيات مونديال 2022 قبل أن يحقق إنجازا لافتا بقيادة أستراليا إلى دور الـ16. وأكد سلاتر أن أبرز ما يميز أرنولد هو قدرته على إدارة اللاعبين وبناء الثقة داخل الفريق، وهو ما انعكس بوضوح في تجربته مع العراق، حيث نجح في خلق “ثقافة كروية” جديدة رغم الظروف المعقدة. كما اعتبر أن هذا الإنجاز يضع أرنولد في صدارة المدربين الأستراليين، مشيرا إلى أن ما تحقق مع العراق يعكس تطور المدرسة التدريبية الأسترالية على المستوى الدولي.

نص المقال:

يا لها من صور مذهلة تلك التي خرجت من العراق نهاية الأسبوع، حيث احتفل بلد بأكمله بالتأهل إلى كأس العالم لأول مرة منذ 40 عاما. بات غراهام أرنولد يتمتع بمكانة أسطورية في ذلك البلد. يُبجَّل بطريقة يصعب علينا تصورها. ما فعله بقيادته “أسود الرافدين” إلى كأس العالم، وتخطيه عدة أدوار فاصلة، يتجاوز حدود كرة القدم.

لكن الأكثر إدهاشا كان رؤية الجالية العراقية في سيدني وهي تستقبله بحفاوة مساء الأحد الماضي.

غالبا ما لا تحظى كرة القدم في أستراليا، ولا إنجازات العاملين فيها، بالتقدير الذي تستحقه، لكن ذلك الاستقبال كان أقل ما يستحقه “آرني” بعد إنجاز يكاد يكون غير قابل للتصديق، إنجاز أعتقد أنه لم يكن ليتحقق لولا كل الخبرات التي مر بها خلال واحدة من أكثر المسيرات استثنائية في تاريخ الكرة الأسترالية. من المعروف أن صداقتي مع أرنولد تعود إلى أواخر مراهقتنا، حين التقينا في نادي سيدني كرواتيا، وقد تابعت رحلته عن قرب لأكثر من أربعة عقود. أنا فخور جدا بصديقي. والعمل مساعدا للمنتخب تحت قيادة ثلاثة مدربين، ومشاهدة صديقه “فرانك فارينا” يُقال من منصبه، ثم “الوصلة الهولندية”، والعمل الشاق في الدوري الأسترالي، والمغامرة غير المحسوبة، وصناعة التاريخ في قطر، وأخيرا رغبته في إثبات نفسه حين كان غيره سيختار الاعتزال.. كل هذه المحطات شكّلت أرنولد المدرب، وساعدته على إلهام 46 مليون عراقي بمقعد في أعظم محفل كروي. إذا أردت أن تفهم حجم احترامي لغراهام أرنولد، فعليك أن تعود إلى نهاية مسيرتي في الدوري الإنكليزي الممتاز. هو من أقنعني بالعودة إلى أستراليا للانضمام إليه في نورثرن سبيريت. فكرة أن ننهي مسيرتنا معا ونرد الجميل للعبة كانت مغرية للغاية. كانت لحظة مفصلية. كانت تجربته التدريبية الأولى، وشهدنا في عامنا الأول حضورا جماهيريا كاملا في ملعب نورث سيدني. فعل أشياء كثيرة بشكل صحيح، لكنه تعلم أيضا وارتكبنا أخطاء. استثمارنا في النادي جعل ضغط التدريب مختلفا تماما، وكانت تجربة قاسية: هل ستفتح بوابات التدريب؟ هل دفع النادي رسومه؟ هل ستُقام المباراة أصلا؟

كانت بيئة صعبة، لكن لو لم نعد إلى سيدني، لما وصل أي منا إلى ما وصل إليه لاحقا. غادر أرنولد قبل النهاية الكارثية للنادي، لكن بدايته التدريبية جعلت صديقنا القديم فرانك فارينا يستعين به كمساعد عندما تولى تدريب منتخب أستراليا. كانت قفزة هائلة من لاعب إلى مدرب إلى المنتخب الوطني. لم يكن سهلا عليه أن يرى صديقه يُقال، لكن فرانك لوي لم يُبقِ عليه فقط، بل كان له دور في محطة مفصلية أخرى: قدوم غوس هيدينك. في أستراليا، إن لم تلعب في الدوري الإنكليزي، فلن تحظى بنفس التقدير. لكن في هولندا، كان أرنولد من أبرز الهدافين في حقبة ضمت أسماء مثل روماريو، والظاهرة رونالدو، وباتريك كلايفرت، وهو أمر غالبا ما يتم تجاهله. كان لذلك دور في جذب انتباه هيدينك، الذي أبقاه ضمن الجهاز الفني. ربما مدرب آخر كان سيستغني عنه، لكن أرنولد حصل على فرصة تعلم لا تُقدّر بثمن. رحيل هيدينك كان يمكن أن ينهي طموحاته التدريبية، لكن ما حدث في كأس آسيا 2007 -رغم فشله- كان نقطة تحول. أتذكر تلك الفترة جيدا، لم تكن سهلة عليه، لكنها كانت درسا قاسيا. لا يمكن أن تصل إلى هذه الرحلات المذهلة دون قليل من الحظ، خاصة في كرة القدم الأسترالية. هذه المرة، كان الحظ بوجود مدرب هولندي آخر أبقاه في الجهاز الفني. يدين أرنولد بالكثير لهيدينك. رغم الانتقادات، حقق المنتخب نفس عدد النقاط في كأس العالم 2010 باستثناء الخسارة أمام ألمانيا. قلة من الناس يمكنهم الادعاء بأنهم فعلوا كل شيء في كرة القدم الأسترالية مثل أرنولد، من الاحتراف في الخارج إلى تدريب المنتخب، إلى النجاح في الدوري المحلي مع فرق محدودة الموارد وأخرى تطالب بالألقاب. أحيانا أتساءل لماذا كان شخصية مثيرة للجدل. ربما بسبب مقارنته مع أنجي بوستيكوغلو، الأخير اشتهر بأسلوبه الهجومي، بينما اعتُبر أرنولد عمليا. لكن ما يتم تجاهله أنه مدرب عبقري، يهتم بأدق التفاصيل حتى على مائدة العشاء يحرك الملح والفلفل لشرح خططه! لكن قوته الكبرى تكمن في إدارته للاعبين. لن تجد لاعبا دربه يتحدث عنه بسوء. الجميع يحبه. واليوم، في أصعب اختبار، نجح في بناء ثقافة كروية في ظروف معقدة للغاية داخل العراق. بلد مر بكل شيء، وطريقه إلى المونديال بدا مستحيلا، لكنه زرع الإيمان في لاعبيه، ويكفي أن ترى حبهم له بعد مباراة بوليفيا. هذا الإيمان، مع شيء من “الجنون” -كما قلت له- هو ما قاده أيضا إلى إنجازه السابق أمام بيرو. أتذكر عندما أخبرني قبل مباراة فاصلة أنه سيستبدل الحارس مات رين بـ: أندريه ريدماين إذا وصلت المباراة لركلات الترجيح. قلت له: “أنت مجنون تماما!” “إما أن تصبح بطلا أو تُقال”، قلت له. لكنه شرح الفكرة، وكانت تعكس كل صفاته: الدقة، الشجاعة، والثقة. والأهم كان تقبّل الحارس الأساسي للفكرة. ما حققه أرنولد مع أستراليا في 2022 كان كافيا لتخليد اسمه. لكن الآن؟ أن يكون أول أسترالي يقود منتخبا أجنبيا إلى كأس العالم، وفي هذه الظروف؟ لقد دخل مكانة خاصة في تاريخ كرة القدم. لقد أخبرني منذ البداية أن هذه أصعب تجربة في حياته، بسبب البيئة المختلفة والظروف الأمنية. بعد مغادرته منتخب أستراليا في 2024، لم تكن هناك عروض، لكنه أراد إثبات نفسه.

المنتخب الأسترالي في مونديال 2022

مشاهد المباراة كانت مرهقة بالنسبة لي. كنت متوترا للغاية! اضطررت للخروج للمشي في الدقيقة 65. لكن بأسلوبه المعتاد، لم يمنح الخصم فرصا حقيقية. ولا يمكن نسيان دور طاقمه، خاصة المدرب المساعد وحارس المرمى. عندما أُطلقت صافرة النهاية، كان المشهد مدهشا. أحيانا يفتقد اللاعبون السابقون ذلك الأدرينالين.. لكن هذه التجربة منحته أكثر مما حلم به. رؤيته يُحمل على الأكتاف في الملعب كانت لحظة استثنائية. ما تحقق في 2022 كان إنجازا عظيما، لكن هذا الإنجاز الجديد يرتقي إلى مستوى آخر. وبالمفارقة، أرى أن أرنولد يقف الآن إلى جانب أنجي بوستيكوغلو، كأعظم مدربين أنجبتهم أستراليا. لقد وضعا التدريب الأسترالي على الخريطة العالمية. فما حققه أنجي على مستوى الأندية، وما حققه أرنولد مع منتخبين، يضعهما في مصاف النخبة. لكن قيادة منتخب يعشق كرة القدم مثل العراق، وفي ظل هذه الظروف، تجعل الإنجاز أكثر روعة. كنت أمازحه برسائل: “كيف تبدو حياة التقاعد؟” لكن الواقع عكس ذلك تماما. غراهام أرنولد يصنع التاريخ.. وإنجازه سيبقى خالدا.

?>