الأحد , مايو 10 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / العلوم الغريبة

العلوم الغريبة

د. سعدي الابراهيم

يُعرّف العلم بأنه تلك المنظومة المتماسكة من الحقائق الجوهرية القابلة للإثبات القاطع عبر بوابتي التجربة والبرهان؛ فهو نتاج معرفي يمكن استحضاره وإعادة إنتاجه كلما توفرت الظروف ذاتها وتكررت الأسباب والمقدمات نفسها. وعلى هذا الأساس الراسخ، انبثقت العلوم التجريبية كالطب والهندسة والفلك والكيمياء والفيزياء، تلك التي لم تكتفِ بتطوير المجتمعات البشرية وتحسين جودة الحياة فحسب، بل منحت الإنسان المفاتيح الذهبية لفهم ألغاز الكون وتسخير قوى الطبيعة لخدمة بقائه وتطوره.لكن، وبموازاة هذا الطريق المضاء بالمنطق، عرفت البشرية نمطاً مغايراً يُعرف بـ “العلوم الغريبة”؛ وهي حزمة من المعارف والمعتقدات التي تستعصي على التحييد المعملي أو الإخضاع للبرهان المادي، رغم تجذر الإيمان بتأثيرها في وجدان الكثيرين. وغالباً ما تلتبس هذه العلوم بمفاهيم السحر، والتنجيم، وقراءة الطالع، والأسرار الروحية التي تسبح في فلك الغيبيات. ويرى المؤمنون بها أنها قوى تظل رهينة الكتمان وحكراً على فئة مصطفاة، إذ يسود اعتقاد بأن “كشف السر” هو الرصاصة التي تقتل قوته وتنزع عنه الهيبة.وفي منعطف العصر الحديث، انبعث مفهوم “العلوم الغريبة” بوشاح تقني جديد تمثل في الذكاء الاصطناعي. فبالنسبة للكثيرين، تبدو قدراته الهائلة ودقته التي تخطت حدود العقل البشري نوعاً من “السحر المعاصر” أو العلم الغامض الذي يصعب سبر أغواره. ومع ذلك، يظل الذكاء الاصطناعي في جوهره نتاجاً بشرياً عبقرياً، محكوماً بقوانين الخوارزميات والبيانات، وهو ما يجعله قابلاً للتطور والانتشار؛ ليمسي مع مرور الزمن علماً مألوفاً وأداة يومية، فاقداً لصبغة الغموض ليصبح جزءاً أصيلاً من نسيج المعرفة الإنسانية المشاعة.

اترك تعليقاً

?>