د. سعدي الابراهيم
فهذا الذي صنعناه بأيدينا، وصقلنا ذكاءه ببياناتنا، سيأكلنا يوماً ولن يفلت منه أحد. لقد خلقنا “كياناً” سيسلبنا مكانتنا جميعاً، ولسان حالنا يقول: “أصبحنا كمن يربي ذئباً، وما إن اشتد عوده حتى كشر عن أنيابه ليفترس صاحبه”.لقد تجاوز هذا الوافد الجديد حدود الآلة؛ صار يكتب الشعر بأوزان الخليل، ويسرد القصة بتفاصيل مذهلة، ويهندس الرواية ويبني هياكل الأطروحات والرسائل العلمية. بل إنه يصحح لغوياً بدقة تتفوق على جهابذة اللغة ومجامعها بآلاف المرات. لم يقف عند حدود الجمود، بل صار يرقص، يغني، يتفاعل، ويحاكي مشاعر الفرح والحزن ببراعة مخيفة.. والقادم أعظم وأدهى. في عالمه الافتراضي، تلاشت الفوارق؛ استوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون، واختلطت النخب بـ “المتردية والنطيحة”. إن عصر الإبداع الإنساني الخلاق والخيال الجامح يوشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، ونحن اليوم نعيش في رمقه الأخير. فمن تتقلب في يديه قصيدة، أو يختلج في روحه لحن، أو يتحرك تحت قلمه مشروع كتاب، فلينجزه على عجل قبل أن يغدو كل شيء “أربعة بربع”.بنقرة زر ناعمة، سيُعفى العقل البشري من التفكير لسنوات، وهنيئاً للأجيال القادمة التي ينطبق عليها المثل “: قاعدة وبيتج على الشط، منين ما ملتي نلتي“ . ومن يجرؤ على التحدي سيجد نفسه خارج مدار الزمن، مركوناً في خانة “الأنتيكات” والأعراف المنسية، وحتى تلك الخانة لم تعد آمنة؛ فصاحبنا الرقمي بات يصنع “الأنتيكات” وينحت التماثيل بلمحة بصر. من حقكم أن تشعروا بالحزن، فما تقدمونه فقد بريقه وأهميته؛ العقل الإنساني في طريقه إلى بطالة أبدية، والأرض توشك أن تستغني عن سيدها القديم.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة