الخميس , أبريل 30 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / ذكرياتي مع كريم الملا!!

ذكرياتي مع كريم الملا!!

الحلقة الرابعة والأخيرة

اختير اسم جديد للمكتب هو (مكتب الثقافة والإعلام)، وعُيّن الأستاذ علي نافع شكوري مسؤولاً عنه، وكان الملا يزور المكتب ويلتقي مسؤوله الجديد باستمرار بسبب علاقته الجيدة به كما لاحظنا. كان علي نافع، أو أبو تحرير، شخصية متميزة بعقله المستنير وخلقه الراقي وتفهمه للعاملين واحترامه لهم. كنت سعيداً بالعمل برفقة أبو تحرير، ثم انتقل الرجل إلى مسؤولية جديدة في الاتحاد العام لشباب العراق، ونُسب صلاح السمرمد لقيادة المكتب. كانت الصحافة آنذاك تعاني أزمة حقيقية من شحة الورق، وعُيّن نوري المرسومي رئيساً للجنة توزيع الورق على الصحف والمجلات، وتوقفت مجلة الشباب التي كنت أنا سكرتير تحريرها عن الصدور بسبب هذه الأزمة، وفضلنا أنا والمتابع طه ياسين المشهداني توفير الحد الأدنى من الورق لطبع العدد الجديد من المجلة. كان توفير الورق خارج إرادتنا. في اللقاء الأول مع السمرمد، الذي كان ملحقاً في السفارة العراقية في طهران، سألني عن سبب عدم صدور مجلة الشباب، فأجبته أنها أزمة الورق في البلاد، وأنها أزمة جميع الصحف والمجلات وليس الشباب وحدها. لم يقتنع بإجابتي، ثم استمع إلى طه ولم يقتنع، وفي نهاية اللقاء وجه كلامه لي مباشرة: (إني راح أتحقق بالموضوع، وإذا تأكد لي عدم وجود أزمة ورق وهناك إهمال من عدم إصدارها سأعدمك)!!  صدمت جداً بهذا الجواب، لم أتوقعه من كادر شبابي جديد. كان صلاح عضو شعبة الكرخ المركز، وبالفعل أجرى تحقيقاً بإشرافه ومعه طه المشهداني، وراجع دار الحرية واستفسر شخصياً من المرسومي وتأكد له صحة كلامي. كنت أنتظر السمرمد أن يصل إلى هذه النتيجة ليتأكد من صدقي حتى أقدم له قراري بإلغاء تنسيبي وإعادتي للوزارة لرفضي العمل معه. كتبت مذكرة إلى كريم الملا باعتباره مسؤولي الأعلى، متجاوزاً السمرمد، وقرأها الملا وكانت قد تضمنت تهديد السمرمد لي، وثبت فيها عدم رغبتي بالعمل مع السمرمد بسبب تهديده السخيف لي بالإعدام، وإلغاء تنسيبي وإعادتي لوزارة الشباب. قرأ الملا المذكرة وسلمها للسمرمد وطلب منه أن يتفاهم معي، وبالفعل استدعاني إلى مكتبه وتحدث معي بطريقة استفزازية، وسؤال تلو سؤال من دون أن يمنحني فرصة بالإجابة على أسئلته: هل أنت حزبي؟! هل أنت نصير في الحزب؟! منذ متى تعلمت كتابة التقارير الحزبية؟! وووو ثم أبرز مذكرتي التي كنت قدمتها للملا وقال: كان ممكن أن ترفع هذا تقريرك الحزبي لي وليس للملا… انفجرت في وجهه: أولاً أنا مندهش لأنك تصف المذكرة الداخلية بالتقرير الحزبي، ثانياً هذه مذكرة وليست تقريراً حزبياً، وأتمنى عليك أن تدلني على كليشة التقرير الحزبي في مذكرتي، فأنا لست حزبياً لا نصيراً ولا مؤيداً ولا بطيخ، وهي معنونة بالتالي: الرفيق رئيس الاتحاد العام لشباب العراق المحترم لأمة عربية واحدة لا ذات رسالة خالدة!! سكت قليلاً ثم قال بصوت ناعم: على كل، مذكرة أو تقرير، المهم تتراجع عن قرارك، وأنا أعتذر عما صدر مني، وأنا اليوم غداك عليّ، نطلع بسيارتي ونتغدى بأحسن مكان ونسولف. ها شنو رأيك! أجبته: أولاً أشكرك على اعتذارك بعد تبيان الحقيقة، وثانياً أنا مصر على إلغاء تنسيبي لأنني نفسياً بعد الذي حصل من المستحيل أن أعمل معك. للأمانة كرر صلاح دعوته ورغبته أن أبقى معه، لكنني كنت مصراً على طلبي، فوافق على إلغاء تنسيبي بكتاب رسمي معنون إلى كريم الملا، الذي وقعه مع تعليق: (اللي ما يردنه ما نريده)!! وصدر الأمر الإداري بإعادتي للوزارة وعدت إلى مديرية الإعلام. بعد يومين من مباشرتي بالمديرية زارنا الوزير كريم الملا. وقف وسط الغرفة وتوجه بالسؤال لي من دون الآخرين، وبدا لي أن زيارته كانت مقصودة وشخصية: شامل أنت مو خريج قانون؟!

– نعم

– لعد شسوي كاعد بالإعلام؟!

– أنا إعلامي أولاً قبل أن أحصل على شهادة القانون!

– أنت اختصاصك قانون…

التفت إلى سكرتيره: اكتب يُنقل شامل عبدالقادر إلى مديرية الحقوق بالوزارة!

قلت له: سيادة الوزير، الأستاذ يوسف العاني خريج قانون منذ عام 1949 لكنه يمارس الفن وهو أعظم فنان عراقي، وأنا أيضاً إعلامي وصحفي.

علق ساخراً: (هاي كتبت كم كلمة صرت صحفي)!!

ثم استدار وغادر الغرفة.

في تلك الفترة استثمرت وجودي في مديرية الحقوق لأكتب تاريخ حركة الشباب في العراق، وأنجزت كتابي خلال أسابيع قليلة، وقدمت المسودات مباشرة للصديق الأستاذ القاص الكبير موسى مريدي في مقهى حسن عجمي، التي كان يرتادها مع مالك المطلبي وسامي مهدي وآخرين. كان موسى يومذاك رئيساً لتحرير (الموسوعة الصغيرة) التي تصدر عن وزارة الثقافة والإعلام، وبعد أسابيع قليلة صدر كتابي ضمن إصدارات الموسوعة الصغيرة برقم (79)، وقررت مع نفسي أن أرد على الملا الصاع صاعين وأؤكد له إنني لست صحفياً كتب قصاقيص، كتعبيره الساخر مني. وتوجهت للوزارة، وقبل دخولي المكتب الخاص، وفي الممر تحديداً، أصبحت وجهاً لوجه مع الملا وهو يهم بمغادرة الوزارة، وتوقف وصافحني، ثم فاجأني بعد تقديمي له نسخة من كتابي وهو يربت على كتفي مبتسماً قائلاً: (بارك الله بيك شامل.. نعم استلمت نسخة حال صدوره وقرأته.. أهنئك على الكتاب.. والله فريق عمل ما ينجزونه)! بقيت في مديرية الحقوق لحين إعفاء الملا من منصبه وتعيين أحمد حسين وزيراً للشباب، وقررت مقابلة الوزير الجديد الذي وافق على استقبالي بعبارة جميلة كتبها على طلبي الرسمي: (أهلاً وسهلاً)!!

استقبلني الأستاذ أحمد حسين واقفاً أمام مكتبه ومد يده لمصافحتي ثم أشار لي بالجلوس.

وشرحت له باختصار طلبي بإلغاء نقلي إلى الحقوق وإعادتي للإعلام لأنني صحفي أولاً وأخيراً.

رد علي مبتسماً: نعم حقك وترجع بأمر وزاري يصدر من مكتبي!!

وبالفعل خلال 24 ساعة صدر الأمر الوزاري ونقلت إلى مديرية إعلام الشباب. انقطعت علاقتي بوزارة الشباب واتحاد الشباب منذ نيسان 1980 عندما استُدعيت مواليد (1949) لخدمة الاحتياط وغادرت الوزارة، ولم أعد لها إلا بعد قرار صدام باستخدام مواليد 1949 كمنتدبين في دوائرهم، وعدت بمنصب مدير إعلام الشباب، وكان الوزير الجديد نوري فيصل شاهر الذي أمر بنقلي إلى كربلاء لكوني غير حزبي!! وعدت من كربلاء إلى وظيفتي في الوزارة بأمر من طه ياسين رمضان الذي قابلته مقابلة رسمية، وبعد إعفاء الشاهر اشتغلت مع الوزير الجديد عبدالفتاح الياسين فترة قصيرة جداً، حيث تقرر إعادة مواليد 1949 للجيش عام 1986 بعد احتلال إيران لمدينة الفاو، وبقيت في الخدمة العسكرية حتى عام 1989 حيث تم تسريحي، وكانت وزارة الشباب قد أُلغيت وتم تفكيكها ووزع موظفوها على الوزارات الأخرى. في مطلع عام 1990 حصلت موافقة الأستاذ كامل الشرقي رئيس تحرير مجلة ألف باء على نقل خدماتي من وزارة المالية (الشباب سابقاً) إلى مجلة ألف باء، وداومت فيها في شباط 1990 حتى 9 نيسان 2003!! وردني هذا التوضيح من الصديق د. علي عبد الزهرة الهاشمي الذي قرأ الحلقات السابقة من الموضوع وعلق قائلاً:

(عاشت جهودك، استمعت إلى الفيديوين وأعادتني إلى ذلك التاريخ الذي أصبح جزءاً من أعماقنا مهما حاول الزمن أن ينسينا، تحياتي أبو حجاز).

وحول موضوع السجادة التي وردت في حلقة سابقة صحح الهاشمي وكتب:

(الزولية أُرسلت بمناسبة بيته الجديد في الكرادة وكان مسافراً، فقالت زوجته لا أستطيع إدخالها للبيت لكونه غير موجود، وعندما عاد عرف مبلغ شرائها من الاتحاد فتم إرجاعها للاتحاد وعادت مطوية إلى محل شرائها.

ثانياً اتصل معي من الجزائر وطلب مني تأليف كتاب عنه عنوانه: كريم الملا في عيون الأصدقاء أو أي عنوان مقارب، فاقترحت عليه جنابك لنتعاون بحكم معرفتي عنك بالتأليف وعملنا معاً منذ اللجنة المحلية في الحرية وآخر عمل لنا في مديرية الثقافة والفنون، المهم أنت بقيت في الوزارة حتى عندما غادرتها أنا عام 1987). وأضاف د. الهاشمي معلقاً حول ما كتبته أنا عن المعسكر الأول للطلائع: (عندما كنت عريف حفل معسكر الطلائع كنت أنا حاضراً 1973/1/28 إلى 1973/2/1 مدة المعسكر، وحضر الاختتام كريم الملا وعامر الهاشمي ألقى كلمة، وكان المطر مصاحباً لاختتام المعسكر، تحياتي أبو حجاز سنلتقي قريباً إن شاء الله)!! وقبل سنوات قليلة اتصل كريم الملا بي من الجزائر بناءً على اتصال له سابق مع د. علي الهاشمي الذي اقترح له اسمي لتحرير كتاب له عن انطباعات أصدقائه عن شخصيته وعمله في الدولة. بالفعل تحدث معي الملا من الجزائر وطلب مني تحرير الكتاب بالتعاون مع د. علي، وقال إنه لا يستطيع مواصلة الاتصال بسبب مرضه، وأنه سيوجه ابنته السيدة شهد بالتواصل معي للغرض أعلاه. وكانت واسطة الاتصال بيني وبينه فيما بعد كريمته السيدة شهد التي زودتني بالأوليات، وقمت بكتابة الكتاب وإنجازه على أحسن وجه، وراجعه د. علي، ثم اتفقنا على إرساله للملا في الجزائر.

للأسف لم يخرج الكتاب للنور حتى يومنا هذا.

رحم الله كريم الملا وأسكنه جناته

?>