د. سعدي الابراهيم
يردد الكثير من الناس عبارة الانسان مخلوق اجتماعي، وينسبونها إلى ما طاب لهم من الفلاسفة والعلماء. وهي تعني بأن فطرة الانسان تحتم عليه أن يعيش وسط المجموع، أن يشارك الآخرين افراحه واحزانه. لكن هذه العبارة، لا تصمد أمام التغييرات التي يصادفها المجتمع بشكل عام والإنسان بشكل منفرد . فالكثير من الافراد، صاروا لا يرتاحون إلا مع انفسهم، لا يرغبون بالاختلاط مع المجتمع، لا شيء يجذبهم فيه ولا راحة أو سعادة لهم مع الناس، بل على العكس يكونون في قمة السعادة عندما يجلسون مع ارواحهم، يكلمون ضميرهم، ويخاطبون وجدانهم، دون أن يتدخل أي إنسان آخر في حياتهم، هذا النوع من الافراد، نستطيع أن نسميه بالإنسان المنعزل، أي الذي يدور في محور نفسه فقط ، لا يخرج من إطار الخاص الذي صنعه بنفسه.
اما عن الأسباب التي أدت إلى وجود مثل هذا النوع من البشر، فهي متعددة، مثل:
- اسباب شخصية
هذه الأسباب تتعلق بطبيعة الفرد نفسه، شخصيته التي تميل للوحدة والانعزال، والتي قد تكون وراثة من الآباء والأجداد ، أو أنه اكتسبتها بفعل تنشئته الاجتماعية، في مراحل الحياة المختلفة.
- أسباب تتعلق بالمجتمع:
ماذا يفعل الانسان الذي لا ينسجم مع المجتمع فكريا ولا سلوكيا الا الانعزال والابتعاد . فالعقل الجمعي لا يقبل ان يشذ الأفراد عنه ، يريدهم ان يكونوا مثله ، وفي حال المعارضة، ستتخلى عنه الناس، ولربما يتعرض للأذى، فتكون الحياة الفردية خياره الوحيد .
- الخوف :
قد يكون الخوف من الناس، أو من السلطة السياسية، سببا يدفع الانسان، للعيش مع ذاته فقط، والخوف أسبابه كثيرة، كأن تكون أفكاره مخالفة للسلطة وبالتالي يخشى الاضطهاد، او انه يحمل فكرا مخالفا لقيم المجتمع، وقد يطاله العنف، ان جاهر به او طرحه حتى، وبالتالي لا مناص له غير العزلة .
- طلب الراحة :
الحياة كلها مشاكل، ومشاهدتها او مجرد الاستماع لها، قد يصيبنا بالعدوى، لذلك من الأفضل أن نهرب منها. هكذا قد يفكر الانسان المنعزل . اذن، الانسان الصديق لنفسه، هو ليس مريضا نفسيا، ولا هو ظاهرة عابرة تزول مع زوال مسبباتها، بل انه نوع من البشر، وجدناه بيننا، وقد يكون موجود منذ ابعد الازمان ولن ينتهي وجوده في المستقبل، بل من المتوقع ان تزاد اعداده، كون المشاكل المجتمعية هي في زيادة ايضا، والحياة في تعقيد مستمر، بفعل التقنيات المعاصرة التي القت دور الانسان وحجمته، لصالح كل ما هو مصنوع ومبرمج ، وبالتالي قد يكون الانسان الذي يعيش في داخلنا هو صديقنا الوحيد.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة