الخميس , أبريل 30 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / بضاعتنا ردت إلينا

بضاعتنا ردت إلينا

د. سعدي الابراهيم

شاءت إرادة الله تعالى، أن يكون الانسان مسؤولا عن إعمار الارض، فهو السيد، وكل المخلوقات الاخرى تأتي بعده. وقد سُلم له الكوكب من اجل ان يطور وينمي، وديدنه في هذ العملية هو العقل.  لم يتوقف العقل الإنساني يوما عن التفكير بإنتاج كل ما هو جديد ومفيد من الاختراعات وفي شتى المجالات.  فيتنعم بما توفره له من خدمات ومن تسهيلات تزيل المصاعب في حياته المعقدة، فنراه يخترع السيارة والطائرة، والكهرباء والهاتف وما إلى ذلك، وكان الأمر مقبولا عند ذلك الحد . لكن معاناته بدأت مع صناعته لجهاز الكومبيوتر، الذي غير حياته بالكامل، فهذه الجهاز بمختلف أنواعه، له القدرة على القيام بأدوار كثيرة جدا، لا يستطيع الإنسان أن يقوم بها بنفسه . هذا الأمر من جهة يبدو بأنه جيدا، ومن جهة ثانية هو سيء للغاية، لان الكومبيوتر اخذ مكان الانسان تدريجيا، واجلسه على دكة الاحتياط، نعم المخترعات تؤدي الى البطالة، لأنها اصبحت تقوم بما يقوم به الانسان، جهاز واحد صغير يقدر على فعل أشياء تفوق مقدرة عشرات اذا ما قلنا مئات الأفراد، فعلى سبيل المثال، كانت هناك مهنة تسمى ساعي البريد، التي تتمثل بوجود شخص يقوم بنقل الرسائل ما بين الناس في المجتمع، وهو جزء من مجموع مهن تشاركه في عمله، مثل الوراق الذي يبيع الورق وربما الخطاط الذي يكتب الرسائل وبائع الاقلام ، وما الى ذلك. كل هذه الاعمال ماتت بفعل ولادة جهاز الهاتف النقال، وبرامجه الناقلة للرسائل الالكترونية مثل المازنجر.لكن بناء على ما ورد اعلاه، هل الإنسان نادم لأنه صنع الكومبيوتر؟ الجواب هنا ينقسم إلى قسمين، الأشخاص الذين قاموا بصنع هذه المخترعات بالتأكيد انهم فخورين بهذا العمل، أما الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم نتيجة لحلول الاجهزة في مكانهم ، فهم من المؤكد سوف ينقمون ويغضبون ويتمنون لو تصاب كل المخترعات بالعطب حتى تعود لهم مكانتهم القديمة. اخرين، يكرهون المخترعات الجديدة، لا ، لأنهم قد خسروا مكانتهم وعملهم، بل لأنهم خسروا انسانيتهم، برأيهم ان الحياة فقدت روحها، بفعل كثرة الأجهزة التي مسخت الكثير من القيم الإنسانية ، الغت التواصل واللقاء ما بين البشر، واقعدت كل فرد لوحده وجعلته معزولا عن بقية أقرانه في المجتمع. و سوفت القيم الإنسانية واحلت مكانها الماديات، والمصالح الفئوية الضيقة. لكن لو خيرنا الناس بما فيهم الناقمين، بين ان نقضي على كل المخترعات وبين ان نبقي عليها، لوجدناهم يرغبون بالحفاظ عليها، لأنهم اعتادوا على ما تقدمه من خدمات وليس لديهم استعداد للعمل من جديد. وهكذا، فأن العقل الإنساني سيبقى يعمل، ويخترع وسيبقى لمخترعاته نوعان من الانعكاسات، سلبية وايجابية.

?>