الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / الصفحة الاولى / ضجيج إعلامي يرافق الأيام الأولى. ثم صمت طويل لا تعقبه محاسبة واضحة

ضجيج إعلامي يرافق الأيام الأولى. ثم صمت طويل لا تعقبه محاسبة واضحة

من اغتيال صفاء المشهداني إلى تظاهرات تشرين.. لماذا لم تُعلن نتائج التحقيقات؟

المشرق – خاص:

تتكرر في العراق مشاهد الاغتيالات والجرائم السياسية التي تُعلن في لحظتها بتصريحات عاجلة، لكنها ما تلبث أن تغيب عن واجهة المتابعة مع مرور الأيام. من حادثة اغتيال الناشطين في ساحات الاحتجاج، إلى سقوط الموصل بيد تنظيم داعش عام 2014، تتشابه النهايات: لجان تحقيق تُشكَّل سريعًا، وضجيج إعلامي يرافق الأيام الأولى، ثم صمت طويل لا تعقبه محاسبة واضحة. هذه الفجوة بين الإعلان والنتيجة جعلت من الثقة بالتحقيقات الرسمية ملفًا إشكاليًا، ينعكس على استقرار الدولة ومصداقيتها في حماية الحياة السياسية.الخبير في الشؤون الاستراتيجية حسين الأسعد يرى أن التأخر في إعلان نتائج التحقيق باغتيال عضو مجلس النواب صفاء المشهداني يمثل أكثر من مجرد تأخر إداري؛ فهو “مؤشر خطير على ضعف الإجراءات الردعية، وقد يشجع على تكرار عمليات الاغتيال ضد مرشحين وشخصيات سياسية بارزة”. ويربط الأسعد هذا النمط بتراكم حالات مشابهة، إذ “يؤدي الغموض في مثل هذه القضايا الحساسة إلى شعور عام بالإفلات من العقاب، ويضعف ثقة المواطنين بقدرة الأجهزة الأمنية على حماية الشخصيات العامة”.هذه الرؤية تتقاطع مع ملاحظات وردت في تقارير بعثات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية، التي أشارت إلى أن العراق يعاني من نقص منهجي في الشفافية والإعلان الكامل عن نتائج التحقيقات، سواء في ملفات العنف السياسي أو الفساد الإداري أو انتهاكات حقوق الإنسان. فـ”بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)” في تقريرها الصادر عام 2022، أكدت أنّ “غالبية التحقيقات التي فُتحت عقب اغتيالات أو انتهاكات جسيمة لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة، ولم يتم إعلان تفاصيلها أو محاسبة المتورطين فيها”.وبحسب منظمة العفو الدولية، فإن السلطات العراقية “فشلت في تقديم نتائج واضحة لآلاف التحقيقات الخاصة بحالات الاختفاء القسري والاغتيالات السياسية”، ما جعل العراق واحدًا من أكثر دول المنطقة تعقيدًا في مجال العدالة الانتقالية. في سياقات التنافس الانتخابي، تتحوّل نتائج التحقيقات إلى عامل أمني وسياسي مؤثر. فحين يُغتال مرشح أو عضو في مجلس محافظة دون أن تُكشف هوية الفاعلين، تتراجع ثقة المرشحين الآخرين في الضمانات الأمنية، ويزداد القلق الشعبي من عودة الاغتيالات كأداة ضغط سياسي. يوضح الأسعد أن “البلاد لا تحتمل مزيدًا من الاضطرابات، وأن أي تهاون في كشف المتورطين باغتيال المشهداني سيُقرأ كرسالة ضعف ويهدد الأمن الانتخابي والسياسي في العراق”.ويشير مختصون بالشؤون الأمنية إلى أن غياب الردع القانوني في قضايا الاغتيال يخلق ما يُعرف بـ”منطقة الإفلات من العقاب”، وهي مساحة رمادية يختلط فيها النفوذ السياسي بالأمن الميداني، ويصعب فيها الفصل بين الجريمة والدافع السياسي. في مثل هذه البيئة، يصبح الصمت المؤسسي شكلًا من أشكال التواطؤ غير المباشر، حتى وإن لم يُقصد به ذلك.إنّ تأخر إعلان نتائج التحقيقات، أو إعلانها بصيغة عامة ومبهمة، لا يعني فقط ضعف الأجهزة المختصة، بل يفتح الباب أمام تسييس العدالة وتحويلها إلى أداة تفاوض أو تسوية. هذه الظاهرة تضعف الردع وتمنح الشرعية الضمنية للعنف السياسي.من هنا، تبدو دعوة حسين الأسعد إلى “الإعلان السريع والواضح لنتائج التحقيق” خطوة تتجاوز حادثة الاغتيال بحد ذاتها، لتعبّر عن مطلب أوسع: بناء ثقافة مؤسسية تقوم على الشفافية والمساءلة، بوصفهما خط الدفاع الأول عن الأمن الانتخابي والسياسي. فالدولة التي لا تُعلن الحقيقة في الوقت المناسب، تُخاطر بأن تُفقد الناس الثقة بقدرتها على حماية الحياة العامة، وتترك فراغًا تُملؤه الشائعات والقوة لا القانون، بحسب مراقبين.

?>