د. سعدي الابراهيم
لا شك أن المجتمعات في كل الأماكن والازمان تنقسم إلى طبقات . وغالبا ما تكون ثلاثة : الطبقة العليا والوسطى والدنيا . ومن المتعارف عليه ان داينمو التغيير إنما يأتي من الطبقة الوسطى على عدها غير مستقرة ومضطربة ، وتعيش حالة تناقض ما بين جذورها الدنيا وسعيها للصعود الى الطبقة الأعلى منها .
وهذه الطبقة (الوسطى) كانت هي السر الكامن وراء النهضة الاوربية ، كونها ادارت محركات الاستثمار بأقصى طاقاتها، وحققت للبلاد النمو الاقتصادي الذي أصبح هو السر وراء الرفاه والعدالة الاجتماعية .
وللأمانة وللتاريخ ان الاستعمار وخاصة الانكليزي منه ، حاول ان يدعم وجود هذه الطبقة في مستعمراته ، مدركا انها السر الذي ستنهض من خلاله تلك البلدان التي تحت يديه. لكن الدول المحتلة او الخاضعة للسيطرة الاستعمارية كانت تتصور ان ذلك عبارة عن تمييز ومحاباة لطبقة على حساب اخرى ، ولم تكن تدرك اصلا ماذا يقصد بالطبقة الوسطى .
لقد فعل البريطانيون الشيء نفسه في العراق ، دعموا ملاك الاراضي وعززوا قوة اصحاب رؤوس الاموال ، معتبرين انهم يمثلون طلائع الطبقة الوسطى، لكن ثورة تموز عام 1958 ، قد اطاحت بتلك الطبقة وعدتها من مظاهر وعلامات النظام الملكي. بل وتفاخر الثوار بأنهم سينشرون العدل والمساواة ين ابناء الشعب العراقي، ويمسحون الفروقات التي اوجدتها بريطانيا بين ابناءه ، وقد استمر الحال هكذا حتى عام 2003 ، عندما تغيرت احوال البلاد ، وتنفس الشعب الصعداء ، وتفاءل الجميع بأن حال الطبقة الوسطى سيكون افضل، على اعتبار ان فرصة تجمع الاموال واستثمارها صارت اكثر سهولة من ذي قبل . لكن هذا الشيء لم يحدث بشكل طبيعي وسلس ، بل انه تم بطريقة عشوائية وفوضوية ، حيث ادت الظروف التي عاشتها البلاد عقب عام 2003 الى ان تتكدس الاموال في يد فئة من الناس هم الاقرب الى الاحزاب السياسية ومؤسسات الدولة وفي عين الوقت ان تفرغ جيوب بقية الفئات ، وهم البعيدين او المبعدين عن السياسة ودهاليزها . ومنطقيا ان هذا الوضع المشوه انتج لنا طبقتان لا ثالث لهما ، طبقة عليا في يدها الثراء الفاحش وطبقة دنيا فقيرة ومعدمة ، وبالتالي ضاعت الطبقة الوسطى التي كانت البلاد تنتظرها من اجل ان تقف بين المجتمع والدولة ، تستثمر وتبني وتدعم المشاريع الحكومية وتوفر فرص العمل ، لكن للأسف ان ذلك لم يحدث.وبالتالي فأن النظام السياسي في العراق، لابد له من ان يعمل على بث الروح من جديد في جسد الطبقة الوسطى وان يسن القوانين التي تحميها وان يوفر لها الدعم اللازم ، لعلها تساهم في جعل حال البلاد افضل .
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة