الخميس , أبريل 30 2026
?>

حرب داخلية

د. سعدي الابراهيم

  لا ذنب للإنسان فيما يذهب إليه عقله، فهذا الجزء من الجسم ليس لنا سيطرة عليه. وهو مفتوح لكل من هب ودب من الافكار، التي لا يشترط فيها ان تكون متجانسة او منسجمة مع بعضها او حتى مع ذاتها. السياسي مهما كان عمله، سواء في العراق ام في غيره، لا يختلف عن بقية البشر فدماغه ايضا يصير احيانا مرعى لشتى الافكار، بل قد تحدث معارك فكرية في رأسه، دون أن يشعر به احد، الشعب ينظر له من جهتين لا ثالث لهما ، أما انه مقصر وخائن وسارق لمقدرات الوطن، وأما النظر إليه على أنه فرصة لتحقيق المصلحة. على كل حال ومهما كانت نظرة الناس له، فإن السياسي العراقي كما قلنا تحتدم في ذاته حرب ، تتمثل بوجود أفكار متناقضة، كل واحدة منها تحاول ان تتغلب على الثانية، هذه الأفكار تتمثل بالآتي:

 ١ – الأفكار المثالية:

السياسي يسمع نداءات الشعب، صراخ الاطفال، وعتاب الفقراء، ودعاء المظلومين عليه. وقد يحاول أن يسعفهم لكن من دون جدوى. فقد تكون الأمور ليست بيده. او انه مكبل بقضايا أكبر من طاقته، ولا يقدر ان يفعل شيئا ، وهنا سيبقى يتألم، ضميره يؤنبه ويحاسبه، ولربما يدعوه للهرب، وترك العمل الذي يزاوله.

 ٢ – الفكرة الثانية :

الواقعية السياسية، على العكس من الفكرة اعلاه، قد تنمو في خياله فكرة اخرى، تتمثل في شعوره بان الواقع قاس جدا ، وأنه لكي يبقى في مكانه، لابد له من نسيان الأصوات القادمة من اعماق الشعب ومن اعماق الضمير، ولابد من الاستماع إلى صوت العقل المتمثل بالاستفادة الشخصية وتقديم ما يمكن تقديمه للناس. هذا الجدل ، بين الواقع والمثالية، قد يجعل السياسي في حيرة من أمره، وقد يربك عمله، خطوة إلى الأمام وأخرى إلى الوراء. وتاريخ العراق قد عرف الكثير من الشخصيات التي خسرت حياتها من جراء حروب دارت في عقولها دون ان يدرك ذلك احدا من الشعب ، وخير مثال هو شخصية السياسي عبد المحسن السعدون، الذي قاده ضميره الى الانتحار، وترك وصيته المعروفة التي قال فيها، انه حائر بين امرين : الشعب يريد منه تحقيق المصالح، والبريطانيين يريدونه ان يتوافق مع نهجهم ، ولكي يثبت للناس بأنه وطني وغيور، فضل الانتحار .ومن الخطأ ان ننظر الى الساسة في بلادنا على ان عقولهم متحجرة او انهم بلا احاسيس، فهذا يخالف المنطق البشري، قد يكون للبعض منهم صفات خاصة امتلكها نتيجة تجارب العمر، كأن يكون قد مر بظروف قاسية، جعلت من السلطة التي هو فيها، نعمة لا يساوم عليها ويخاف ان استماعه لصوت الضمير سيجعله يخسرها ، لذلك نراه يتزمت بها حتى لو كانت على حساب الشعب . لكن البعض الأخر شاء القدر ان يضعه في مكان لم يكن مستعدا له .

?>