كاظم العُبيــدي
صحفي عراقي
بلا شك أن الكتابةَ عن بغداد وتاريخها العريق، لا يمكن أن يوجز بمقالٍ، لأن بغداد مر عليها الكثير من الأحداث المختلفة منها المفّرح والمحزن، حتى عندما نذكر تاريخها ومجدها الكثير يتغنون به ويفخرون بذلك.
بغدادُ منارةُ للعلمِ وملتقى للعلماءِ والمثقفين، وتعودً لحاضنتِها في الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ ولمكانتها بين الأممِ في العالمِ، على وجوه أهلها ويعم الإستقرار والأمان فيها.
تضم بغداد العديد من الأسواق العريقة القديمة وأشهرها، مثل سوق النهر وسوقي العربي، والشورجة الذين يقعان في شارعي خلفاء الراشدين، وسوق الصفافير الذي يمتاز بالأعمال اليدوية، والسراي وشارع المتنبي الذي لازال إلى يومنا هذا ملتقى للأدباء والمثقفين ومكان زاخر في بيع الكتب. بغداد فيها أضرحة أبو حنيفة النعمان، وموسى الكاظم، وعبدالقادر الكيلاني .نهر دجلة الذي يشقها، كورنيش أبو نؤاس، وجانبي الكرخ والرصافة، المتنبي والرصافي، أنشأت رسميا في عام 145 هجريا و762. العاصمة العراقية بغداد، ثاني أكبر المدن العربية من حيث الكثافة السكانية بعد القاهرة المصرية، بغداد كانت تسمى المدينة المدوّرة، ودار السلام والزوراء، بغداد الثقافة والعلم، فيها المدرسة المستنصرية من أوائل الجامعات في العالم.
ومع تشغيلي السيارة تهادر الراديو مُباشرة، فقال المُتحدّث فيه: “وسُمّي بالكاظم لأنه كان يكظم الغيض من أذى الناس”.. وهنا، شعرت أن هذا الكلام يحتاج الى تأمّل وتفكير، من مُنطلق: شخص جدهُ السابع رسول الله، والسادس خليفة المُسلمين، في مُجتمع محكوم بقيم أهله وشرائع أجداده، فلماذا يُساء له بهذا المستوى من الغزارة والكثافة، ولمَ يكظم هذا الرجل غيضه بهذه الطريقة حتى شاع عنه وصفاً بين الناس؟. هذه الفكرة: يُمكنها ان تفتح باباً لمعرفة طبيعة المُجتمع العراقي والإسلامي في تلك الفترة، فالرجل كان مُنافساً حقيقيّاً لقيادة الأمّة، فوالدهُ الصادق ع، كان يُعتبر مدرسة ومرجعاً بالعلوم والمعارف لكل المذاهب والأديان، ويبدو ان الحكاية تتعلّق في تشويه هذا الرجل والتقليل منه والإساءة له من قبل الدولة والنافذين فيها، ولهذا كان الناس يُسيئون له بهذا الشكل الكثيف، فيُقابلهم بكظم غيضه، حتى عُرف بهذا على نطاقٍ واسعٍ، دون أي صفةٍ أخرى!. وبذلك سألت الذكاء الاصطناعي: مرحباً يا صديقي، ألا يعتبر كظم الغيض ضُعفاً، هل تتفهم الناس معنى انك حليم وحكيم وهذا سلوكك، ألا يدعوهم إلى ان يستمروا بالإساءة دون خشية منك؟… فقال لي: “كظم الغيظ ليس ضُعفاً؛ بل هو قوة حقيقية، فعندما نختار الصبر والتحكّم في مشاعرنا، نحن لا نكسب احترام الآخرين فحسب، بل نمنح أنفسنا الفرصة للتفكير بحكمة واتخاذ قرارات أفضل .
“كاظمي الغيظ يا صديقي يستحقون التقدير، فهم من يمتلكون الشجاعة الحقيقية لتحويل الغضب إلى قوة بنّاءة” . في هذا: تأملت في معنى ان يتحكّم الإنسان في ردّة فعله، وراجعت أحاديث السيطرة على النفس عند الإساءة والانفعال، وجدتُ ان الكاظمَ “ع” ، يقول لنا بصراحة: ان كظم الغيض فعلٌ حكيم، فهو يُعطي مساحة للعقل قبل اللسان كما يرى كارينجي، ويفتح بابا للقوّة بالتسامح بحد وصف غاندي، وهي أعظم انتصارات النفس في وصف آرسطو، وافضل انتقام أخلاقي بحسب الفيلسوف الروماني أوريليوس، لأن الغضب ريحٌ تُطفئ العقل كما كتب الفرنسي فيكتور هوغو، وهو يسكن فقط في قلوب الحمقى بحد وصف إنشتاين، فهل تستحق الإساءة من الجاهل كل هذا؟!. شُكراً للإمام الكاظم “ع” على هذه الحكمة الصباحيّة البليغة بعد 1226 عاماً، فهي لمحة فلسفيّة من ثقة المرء بنفسه ومعرفته العميقة بها وإدراكه للقوّة الداخلية، إذ لا تستحق لقلقة اللسان او الانفعال الجاهل ردّاً، والكظم فعلٌ مدته دقيقة بالزايد، لكنه يُجنّب النفس 100 يوم من الندم، كما تقول الحكمة الصينيّة.
واليوم بغداد تتوشّح بالسواد وهي تستقبل ملايين الزائرين في ذكرى استشهاد الامام موسى بن جعفر “الكاظم عليه السلام” حيث يتوافد “الملايين من العراقيين والأجانب القادمين من خارج البلاد، للإحياء هذه الذكرى العطرة على قلوب المسلمين حيث يُسمى “طبيب بغداد” وذلك لكراماته الكثيرة في شفاء كثير من المرضى الذين يقصدونه . وان “الحشود شاركت بمراسم التشييع الرمزي التي تنطلق سنويا من جسر الأئمة الرابط بين منطقتي الاعظمية والكاظمية”، بتعاون” القوات الأمنية والدوائر الخدمية التي استنفرت منذ أيام لتامين الزيارة وخدمة الزوّار , ويحيي الملايين من العراقيين ذكرى استشهاد الامام الكاظم “ع” في كل 25 رجب بمدينة الكاظمية المقدسة شمال العاصمة بغداد. “ويـبقى طـبـيـب بغداد منارا عاليا للناس من مختلف بقاع الارض , يقصدهُ الموالون من اجل كرامته عند الله”.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة