د. سعدي الابراهيم
لو لم يكن الطف المجانين لكان اعقل الناس.
هكذا كتب على رخامة قبر دون كيوشت . فمن هو يا ترى؟
هذا الشخص كان مثقفا في الزمن البعيد ادمن قراءة الكتب والتعايش مع شخوصها والاعجاب بهم، يحزن لحزنهم ويفرح لفرحهم.وحدث انه اصبح يتقمص شخوصهم ويسقطها على حياته اليومية، ومن بين الشخصيات التي قلدها، هي شخصية الفرسان الجوالين الذين يجوبون الارض ويسجلون المواقف الانسانية والبطولية في القرى والمدن والسهول والجبال وفي الماء واليابسة وفي كل الفصول. فترك اهله وامتطى حصانه وهام على وجهه مثل المجنون، وسمى نفسه بفارس الوجه الحزين مثل احد ابطال الروايات التي قرأها، وصار يبحث عن حبيبته التي هي ايضا موجودة في الروايات نفسها.ذاعت صيت الفارس المجنون او فارس الوجه الحزين، نجح في بعض المواقف وفشل في اخرى، وانتهى به الحال الى ان يدخل في تحد مع فارس مجنون اخر ، حالم جديد يدعى فارس وجه القمر، وهنا يسقط حصان دونت كيوشت فيخسر المنازلة، ولأنه يؤمن بقواعد الفروسية التي قرأها في الكتب فقد اعتزل التجوال ورفع الراية البيضاء وقبل بان يتوقف عاما كامل دون بطولات عقابا لنفسه ورضاء بالقدر.
عاد دون كيوشت الى اهله وقريته والكل يتعامل معه على انه مجنون سرقت الكتب عقله، وبسبب كلام الناس ولومهم وبسبب هزيمته الاخيرة تعبت حالته النفسية وانعكست على جسده، فتمرض مرضا شديدا، عاده الناس من كل مكان، الكل يريد ان يرى الفارس المجنون الذي صار حديث العالم. لكن دون لم يهتم بكل ذلك فقد مات وترك لنا مجموعة من الحكم والدروس، ان الحياة تحتاج للجنون وان الانسان بلا مخاطرة ومغامرة يفقد انسانيته وان ليس كل ما نقرأه يطبق على ارض الواقع وان اكثر الشخصيات الموجودة في الكتب هي من مخيلة المؤلف وليست حقيقية.
سارفانتس نقل الينا هذه القصة في روايته او كتابه الذي حمل اسم البطل دونت كيوشت والذي صار من اروع الروايات في العالم مثل بطله الذي كان اروع الفرسان.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة