ليس غريبًا تهديد الرئيس فلاديمير بوتين بتزويد دول تحارب أمريكا وحلف «الناتو» بالأسلحة ردًا على استخدام أوكرانيا الأسلحة الغربية في ضرب أهداف في العمق الروسي. يبدو هذا تطورًا طبيعيًا في مسار استعادة الصراع الرئيسي أو المحوري في التاريخ قديمة وجديده. إنه الصراع بين الشرق والغرب. والشرق، هنا، ليس ما اصطُلح على تسميتها الكتلة الشرقية أو السوفيتية في مرحلة الحرب الباردة، بل الشرق بالمعنى الحضاري-التاريخي. فقد تصور البعض عقب تفكك الاتحاد السوفيتي السابق ومنظومته أن عصرًا جديدًا قد بدأ، وأن مقولة الشاعر الإنجليزي روديارد كبلينج المشهورة «الشرق شرق .. والغرب غرب ولن يلتقيا» صارت تاريخًا مضى. غير أن هذا التاريخ لم ينته، بل يتجدد ويأخذ صورًا مختلفة لن تكون حربا أوكرانيا وغزة آخرها. فهذا تاريخُ موغل في القدم يصعب تحديد بدايته. ومن أهم فصوله الأقدم الحروب الفارسية اليونانية التي استمرت نحو 50 عامًا في القرن الخامس قبل الميلاد، وحرب الرومان ضد قرطاج في القرن الثاني ق.م، وسلسلة الحروب الرومانية الفارسية الطويلة التي مرت بمراحل عدة طول حوالى سبعة قرون, والحروب الإسلامية الغربية «البيزنطية» التي امتدت بين القرنين السابع والعاشر، ثم الحروب الصليبية من آخر القرن الحادي عشر حتى نهاية القرن الثالث عشر، وبعدها الحروب العثمانية البيزنطية من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر، والحروب العثمانية ضد النمسا الهابسبورجية المدعومة من دول أوروبية عدة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر. ومازالت حرب التحرر من الاستعمار الغربي مستمرة في فلسطين بشكل مباشر، وفى أنحاء أخرى في الشرق بشكل غير مباشر. وليس الإجرام الغربي في فلسطين وحرب أوكرانيا إلا أحدث فصول هذا الصراع المرشح للتصاعد بعد أن بدأت روسيا في اكتساب هوية شرقية حضارية نتيجة عوامل، أهمها فشل محاولات التحاقها بالغرب. وهكذا يتوسع نطاق الصراع بين الشرق والغرب. وبدأت روسيا والصين في الالتحاق به بوصفه صراعًا حضاريًا وليس سياسيًا واقتصاديًا فقط. وبمقدار ما تتكتل قوى الشرق، التي مازالت مبعثرة، تزداد قوتها في هذا الصراع، وتقترب نهاية مرحلة هيمنة الغرب وحضارته على العالم.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة