منذ فترة طويلة وهناك محاولات متعددة من أجل اخذ العلوم الانسانية إلى عالم الرياضيات والأرقام الثابتة التي لا تقبل التأويل ، وانسنة العلوم التطبيقية. الا ان جميع تلك المحاولات لم يكتب لها النجاح . وفي الآونة الأخرى ظهرت مساع جديدة، من أجل جر العلوم السياسية إلى ميدان خارج نطاقها، والصاقها بعلم آخر ليس من جنسها، إلا وهو علم الهندسة . فطلع علينا البعض بمصطلح جديد هو (الهندسة السياسية) . لكن واضح للجميع ان هذا المصطلح ، هو دخيل على علم السياسة ولن يجدي نفعا، ولن يكتب له النمو والتطور، والأسباب التي تقف من وراء ذلك كثيرة، ومن أهمها :
- العلوم الإنسانية، ومنها العلوم السياسية، تتعامل مع الانسان ذي الاطباع المتغيرة ، والسلوكيات غير الثابتة ، وبالتالي لا يمكن لنا ان نضع له قاعدة حتمية (١+١=٢) ، كما هو حال الاشكال الهندسية والرياضيات، والا لفقد البشر انسانيتهم واقتربوا من الروبوتات او ما يعرف بالإنسان الالي.
- الذين يتمسكون بهذه الطرح، لا يملكون حججا منطقية لطرحهم، لكن فتنهم جمال المصطلح وجاذبيته فقط، وهذا لا يكفي لكي يتم اعتماده او الاعتراف به.
- كل الذين كتبوا في الهندسة السياسية، خرجوا عن عناوين أبحاثهم ومؤلفاتهم، العنوان هندسة سياسية اما المحتوى فذهب إلى اتجاهات أخرى. وهذا دليل على انه عنوان فقط وليس له محتوى حقيقي.
- ان الخدر، اذا ما قلنا عقم علم السياسة، وعجزه عن التطور والتجديد، دفع البعض من المتخصصين فيه، إلى البحث عن أي شيء جديد، يدارون به توقفهم عن النمو ، حتى لو كان فيه اسفاف وغير حقيقي كما هو حال الهندسة السياسية.
- ما زال التقليد يتحكم في أغلب دراساتنا، الكثير ممن يكتبون في الهندسة السياسية، لم يفعلوا ذلك عن دراية، بل هم يقلدون غيرهم .
اذن ، ليس من المنطقي السير خلف المدارس الغربية وتقليد تجاربها التي هي محاولات لم تكتمل بعد ، والاجدر هو تطوير اساليب البحث في العلوم الانسانية كي تواكب السياسة التطبيقية. وهذا يتم عبر اليات متعددة، مثل :
1 – العمل على وضع نظريات سياسية تتناسب مع خصوصيات الدول، بمعنى ان يكون لنا علم سياسة عراقي واخر مصري وامريكي ، وهكذا، لأن التجارب اثبتت بأن الظاهرة السياسية قد تصلح في دولة وتفشل في اخرى ، وبالتالي ليس من المفيد التعميم .
2 – اطلاق العنان للعقل العربي – الاسلامي ، للبحث في كيفية تجاوز المسلمات والقواعد الموروثة في العلوم السياسية ، والعمل على فك شفرات الظواهر السياسية من خلال ايجاد اساليب وطرق مستحدثة ، حتى لو اضطررنا الى اكتشاف علم انساني جديد، يجعل من علم السياسة ركيزة يقف عليها.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة