اختلف الجمل عن غيره في صفات كثيرة، سواء من حيث شكله الخارجي ام من حيث طباعه وسلوكياته، حتى ان القرآن الكريم ذكره في قوله تعالى: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾. فمن جهة هو شديد الحنين لدياره حتى ان الناقة مضرب المثل على ذلك (حنين النوق)، تعود مسرعة لرؤية صغارها وموطنها الذي استقرت فيه وفي ذلك يقول الشاعر :
( أَحِنُّ إلى يومٍ عبوسٍ عصبصبٍ
تتوقُ له نفسي حنين الأَباعر).
و من ناحية اخرى الجمل هو نموذج للمخلوق القادر على الصبر، يتحمل جفاف الصحراء ومرارتها وعطشها ويبسها ، يقضي فترات طويلة بلا ماء ولا غذاء ، يأكل الاشواك والعاقول ، ويحمل على ظهره البضائع والمهن ، حتى ان العرب سمته بسفينة الصحراء ، وقال الشاعر في ذلك :
صبر العراق صبور أنت يا جمل!
ويقصد ان الجميل قوي الصبر مثل ما ان العراق صابر محتسب على طول تاريخيه. هذه الصفات الجميلة الاصيلة التي يتمتع بها الجمل ، يقابلها صفات اخرى لعلها تمثل الوجه الاخر لهذا الكائن ومن اهمها صفة الحقد ، فمن خلال تتبع اخبار البدو الرحل والناس المهتمين بتربيته والذين هم اعرف بخلجات نفسه وبطبائعه الخاصة ، نجدهم يذكرون ان الجمل لا ينسى ابدا الضيم والاذية والظلم الذي يتعرض له ، وانه يحقد في قلبه حقدا دفينا وشديدا وينتظر الوقت واللحظة المناسبة لينتقم ، وعندما تحين لحظة اخذ الثائر او الانتقام فلن يوقفها شيء ، لا صنائع معروف ولا طول عشرة ولا شيء اخر ، بل ان الجمل يراقب الهدف الذي في الغالب يكون الراعي او المربي الذي يعتني به، فاذا وجده قد نام او جلس لوحده وغفل وامن الشر انقض عليه بكل ما اوتي من قوة ، يجهز على انفاسه، يربض على جسده ، يعضه يرفسه ، يحاول ازهاق روحه باي طريقة ، ولا تنفع في هذا المشهد رغبات ومحاولات المسعفين ، فالجمل يصر ويعاند ويرفض ترك ضحيته الا بعد ان تنال نصيبها من الانتقام. واذا كان الجمل قد تميز بالكثير من الصفات الجميلة يقابلها صفة الحقد ، فان البعض من البشر لا يختلفون عنه ، فهم ايضا يفعلون الشيء نفسه ، تراهم يحملون الحقد والكره والغل ، وينتظرون أي لحظة لكي ينزلوا ما في جعبتهم من سموم ضد الخصوم، فيعبرون عنها من خلال الايماءات والحركات او من خلال الكلمات الجارحة او الافعال المباشرة، ويكررون ذلك طوال حياتهم. ناسين ان الحقد والغل لا يؤذي الضحية فحسب بل يؤذي اصحابه ايضا ، مثل الذي يربي الثعبان في قلبه سيأكله مع مرور الوقت او يخزن القنابل في صدره ويكدسها فتنفجر عليه يوما ما.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة