الجمعة , مايو 1 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / د. سعدي الابراهيم: ابو طبيلة خارج الخدمة

د. سعدي الابراهيم: ابو طبيلة خارج الخدمة

منذ فجر البشرية والانسان يحتاج الى تنظيم حياته عبر ادارة الوقت ، وهو قادر على ان يعتمد على ساعته البيولوجية التي تعمل بشكل تلقائي ، فبمجرد ان يعود نفسه على العمل في وقت معين حتى يسجل العقل الباطن هذا التوقيت ويلزم بقية الاعضاء باحترامه . لكنه في الكثير من الاحيان يخالف عقله ، نفسه تتمرد على الايعازات. فاضطر الى اختراع الساعات والمنبهات بمختلف انواعها ، وقبل ذلك كان يستعين بأبناء جنسه لكي ينبهونه ، ومن امثلة ذلك هو الشخص الذي ينبه الناس الى وقت السحور في شهر رمضان المبارك ، كان يسير على قدميه ويقرع الطبول  ، فتتجمع حوله العيال. وتختلف تسميته بحسب البلدان الاسلامية ، هناك من يطلق عليه بالمسحراتي واخرين يسمونه بالمنادي على السحور ، او كما ننعته هنا في العراق بابو طبيلة ، نسبة الى الطبل الذي يضرب عليه فيثير الضجيج الذي يكون كافيا لأيقاظ الناس من اجل تناول وجبة السحور. لكن ابو مهنة طبيلة حالها حال الكثير من المهن او الحرف او لنقل الاعمال، قد جرى عليها الزمن واجبرته التطورات التقنية الحديثة على ان يختفي او ان تقل اهميته الى ادنى حد، فهو بالكاد يوجد الأن في بعض مناطق العراق ويمارس عمله على استحياء ، وكلما مر بشارع صاح اهل الدار (نحن لم ننم بعد) ويقصدون بذلك ان افراد الاسرة موزعين ما بين الناظر الى الهاتف او التلفاز او تدخين الشيشة او تناول ما طاب من مأكولات. وبعض العوائل تنظر الى ابو طبيلة باستغراب ، فلماذا يتجول في هذا الليل وينادي دون ان يسمعه احد ! حيث ان الشبابيك فيها قطع من الزجاج المحكم الذي لا يسمح للاصوات الخارجية بالنفاذ الى الداخل ، وحتى لو تمكن الصوت من الدخول ، فأنه سيختفي بسبب وجود زحمة من الاصوات الاخرى، اصوات التلفاز او اليوتيوب او الثلاجة او المبردة او السبلت او الاركونديشن. صوت ابو طبيلة ضعيف التردد مقارنة مع الاصوات العالية الاخرى. وعوائل اخرى ، تجد ان لا حاجة لمرور ابو طبيلة في شوارعهم ، طالما ان هناك منبهات كثيرة في البيت ، الهاتف والساعة وبقية الاجهزة ، وهي دقيقة جدا واصواتها تضبط بحسب رغبة الشخص. مسكين ابو طبيلة لم تعد هناك حاجة لوجوده ، وعليه ان يثقب دفه الجميل ويكسر عصاه التي ينقر بها ، وان يبحث له عن عمل اخر يطعم من وراءه اطفاله . العولمة لم تترك شيئا الا وتدخلت فيه وغيرته ، لا مجال للقديم في مواجهة الحديث، حياتنا صارت اصطناعية بالكامل والاجهزة سيطرت على كل شيء من حولنا

?>