د. سعدي الابراهيم
عندما يحل فصل الربيع تتحول بيوت المدينة إلى سجن، فهي قليلة المساحة واحواشها تكاد ان تكون معدومة وان وجدت فلا تتعدى البضعة أمتار. لذلك تهرع العوائل الى الارياف بحثا عن المتنفس، خاصة وان الارياف غالبا ما تكون قريبة من الأنهار، وشيء طبيعي انها مكسوة بالخضار المبهج واذا كان من يحيط بك من الناس جميل فستنطبق عليك الثلاثية : الماء والخضار والوجه الحسن. على اية حال انطلقنا الى الريف لعلنا نتمتع بالأجواء العذبة، حيث ترتب أفراد العائلة في السيارة كما تترتب السكائر في علبتها ، الأطفال استكنوا في بطن الصندوق كأنهم عصافير او دجاج في (كارتون) معجون متوجها بهم صاحبهم الى سوق الجمعة من أجل البيع ، والباقون (انحشكوا) على مقاعد السيارة بقدرة قادر ، ولو كان للسيارة المسكينة لسان لصرخت من شدة التعب ومن ثقل الحمولة ، لكنها خرساء اكتفت بالترنح وضرب الارض بين الحين والاخر كأشرة الى انها لا طاقة لها بنا ولا بسفرتنا المفاجئة .الساعة السادسة قبل المغرب وصلنا إلى النهر ، نعم نهر دجلة ، كان المكان خاليا من البشر تماما حيث شاهدنا سياراتهم وهي تغادر قبل ان نصل ، لكن اثارهم باقية حيث تنتشر الاطعمة وبعض الأواني واكياس النايلون الفارغة التي تتطاير بين الحين والآخر فترتفع او تعلق بالأشجار العارية وترفرف كأنها اشباح .الأطفال قفزوا من صندوق السيارة مثل الأرانب وانتشروا بين الحشائش والباقين أيضا فعلو الشيء نفسه مع ابتسامة فرح وترقب واضحة على الوجوه ، كان من المخطط ان يجلس الجميع على شاطئ دجلة، بعد رحلة طويلة من الجلوس غير المنتظم . لكن سرعان ما انقلبت الاحوال راسا على عقب و(تطشرك) القوم مثل احجار صغيرة ضربها الفأس، أفراد العائلة أخذوا بالركض ذات اليمين وذات الشمال ، هذا سقط في الوحل وذاك علق ثوبه في جذع الشجرة والأخر دخل الى الشاطئ، اما الاكل والشرب فقد تركوه على الارض، وصاحب ذلك الكثير من الصراخ والعويل والبكاء، والسبب ان احد الأطفال صرخ بأعلى صوته ( جانا الواوي ) ، فالتفت الجميع الى أصبعه الذي يؤشر الى الوادي القريب، حيث يوجد مخلوق لونه مائل الى الحمرة وفي ظهره خطوط ، هنا عمت الفوضى الأجواء، صار الركض الى (ابو موزة)، الأطفال يبكون والنساء تصرخ والرجال مصدومين من الموقف ، السيارة صارت بعيدة جدا من شدة الخوف والهلع، اصبح التدافع على أبوابها مثل تدافع الجنود على ابواب باص الريم في زمن الحصار .اما الواوي فهو الاخر وقف (مشدوها) ولا يكاد يصدق ما حصل ولسان حاله يقول: الهدا الحد انا مرعب ومهيوب؟ ماذا لو خرج عليهم ذئب او خنزير بري؟ بينما بقي الواوي يتحدث مع نفسه كانت سيارتنا قد عبرت منطقة الخطر بعد ان سارت عدة كليو مترات …الحكمة (كم من أجواء سعيدة في بلادنا خربها الواوي ،واوي الفساد وواي الطائفية وواي الإرهاب مع أننا كثيرون؟).
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة