حسين عمران
لي زميل حصل على لجوء في المانيا ، حدثني عن حالة غريبة جرت له هناك وكلفته العشرات من عملة المانيا ” اليورو”!. يقول زميلي .. في احد الأيام دعوت ابن خالتي الذي يسكن في المانيا منذ سنوات طويلة الى وجبة عشاء في احد المطاعم ، وكعادة العراقيين في البذخ طلبت اصنافا كثيرة من وجبات الطعام ، ومع الاحاديث المتنوعة كنت وابن خالتي نتناول الطعام الذي بقيت منه كميات كبيرة حينما انهينا وجبتنا ، وحينما اردنا الخروج فوجئت بقائمة ثانية ( غير قائمة طعامنا ) ، وحينما سألت عن ماهية هذه القائمة قالوا انها “ثمن” كمية الطعام الذي طلبته ولم تتناوله ، اذ ان النظام هنا طلب الطعام حسب الحاجة دون تبذير!.
تذكرت هذه الحادثة وانا اقرأ خبرا يفيد بان العراقيين يهدرون سنويا خمسة ملايين طن من الطعام ، وبشكل دقيق ان الفرد العراقي الواحد يهدر 120 كيلوغراما من الطعام سنويا. والغريب.. حينما سألت بعض المواطنين عن هذه الظاهرة ، كلهم قالوا نعلم ان هذه الظاهرة سلبية وانها هدر كبير في الطعام ، لكن هذه طبيعة العراقيين في اعداد الولائم ، فالمعروف عنهم البذخ والتفاخر في تقديم أصناف كثيرة للضيوف!. واذا ما تركت زميلي ” الألماني ” كنت قد سألت زميلا اخر لي وهو يسكن في الأرياف حيث تقام ولائم شيخ العشيرة لضيوفه ، اذ سألته عن الطعام المتبقي من وليمة شيخ العشيرة وهو كثير بالتأكيد، أجابني نعم كميات كبيرة يتبقى من الوليمة، حيث يتم إعطاء ذلك الطعام المتبقي الى العوائل الفقيرة والمتعففة ، اما بقايا الطعام فنقدمه علفا للحيوانات!.
وقبل أيام كنت مدعوا الى عقد قرأن ابن زميلي في احدى قاعات الاعراس ، حيث كان يتم تقديم أصناف كثيرة من الطعام ، وكنت اتابع موائد المدعوين حيث كانت هناك كميات كبيرة من الطعام المتبقي ، إضافة الى كميات كبيرة من قطع ” الكيك” حيث كان المدعوون يتناولون قطعة صغيرة من “الكيك” ويتركون البقية لانهم يعلمون ان هناك وجبة طعام! وحينما رأيت المدعوين حسبت ان عددهم لا يتجاوز الـ “300” الا ان زميلي اخبرني انه طلب من القاعة تهيئة 450 وجبة طعام ، وهذا تبذير من نوع آخر!.
لكن هذه الظاهرة السلبية اين منها الجهات الحكومية المختصة؟
وزارة التخطيط في آب الماضي دعت إلى تشريع قانون خاص لتنظيم ومكافحة هدر الطعام، وتشجيع إعادة توزيعه وتدويره والتبرع به ، لكنها بقيت مجرد دعوة دون أي تنفيذ فعلي لها!.
ويرى الباحث الاجتماعي فراس العيسى أن “قلة الوعي تشكل الدافع الرئيس لاستمرار ظاهرة هدر الطعام في العراق، والعادات الاجتماعية الموروثة تشجع على تقديم كميات كبيرة في المناسبات، حتى إذا حصل هدر كبير. ويحصل ذلك خصوصاً في الأرياف والمناطق المعروفة بالتزامها العادات القبلية، إذ يشعر أفرادها بشيء من العار إذا لم يقدموا وجبات طعام تفيض عن حاجة المدعوين”.
احد زملائي المشاكسين عرف محور همساتي لهذا اليوم، فسألني مبتسما ” الا تهدر انت الطعام خلال دعوة ضيوف لك؟” ابتسمت وقلت نعم يتم تهيئة كميات كبيرة تفوق عدد الحاضرين لكننا لا نرمي الطعام بل نبقى نتناوله في الأيام القادمة!.husseinomran@yahoo.com
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة