الجمعة , مايو 1 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / د. سعدي الابراهيم: الجناب العالي

د. سعدي الابراهيم: الجناب العالي

تعتز الشعوب بنفسها، وبكرامتها وقيمها وهويتها، وتفتخر بتاريخها وعمقها الحضاري . وتعمل الانظمة السياسية الحاكمة فيها على رعاية هذا الاعتزاز وادامته وتنميته، كجزء من واجباتها تجاه الامة. المواطن العراقي، عالي الجناب، يرى نفسه شيئا مهما، كونه ينحدر من حضارات عريقة لا يستطيع ان ينكر اي انسان في العالم فضلها، بل ان الحضارات الاخرى تتطأطأ رؤوسها عندما تسمع بالسومريين وكيف اخترعوا الكتابة او البابليين وكيف اوجدوا القانون . وحتى في التاريخ المعاصر ، ظل الانسان العراقي ينظر الى بلاده على انها من ارقى الامم بل هي سيدة البلدان جمعاء. الدول الاخرى على طول تاريخها تراقب العراق عن كثب، وتعرف جيدا انه الحامل للميزان ، وهو سر استقرار وثبات الارض بأسرها. وبالتالي فأن المواطن العراقي عالي الجناب، وهذا الامر يرتب على الدولة ومؤسساتها المختلفة ان تراعي الاتي :

1 – اعادة عملية البحث عن مكامن القوة والابداع والجمال في الحضارات العراقية القديمة، وتصنيفها وتبويبها وتبسيطها، وطرحها بين يدي الاجيال الحالية والقادمة من جديد، حتى يعرف الشعب ماضيه المشرف من جهة وحتى تزيد ثقته بنفسه من جهة ثانية.

2 – ان توضع الخطط والسياسات العامة، التي تدعم اعتزاز العراقي بنفسه، من خلال ابراز المحطات المضيئة في تاريخه الطويل ، وتنشئة الاجيال الحالية والقادمة عليها ، ومحاولة استلهام العبر منها والبحث في امكانية اسقاطها على الحاضر المعاش . على سبيل المثل، من الممكن ان توظف قصة القوة والابداع الذي عرفت به الحضارات العراقية القديمة، من اجل تشجيع الشعب على تجاوز المحن، ومن الممكن ان توظف البطولات العسكرية التاريخية في زيادة الصبر والتحدي في الذات العراقية.

3 – ان يكون العراقي عالي الجناب، فهذا يتطلب من الدولة ومؤسساتها الفاعلة، ان تقوم بكل ما هو محط فخر واعتزاز ، وان تبعد نفسها عن كل فعل يسيء الى سمعة العراق وقيمه المتراكمة على مر العصور. حيث ان الفساد والمحاصصة وحتى قبول التدخلات الدولية، كلها مشاكل عامة لا تليق ببلادنا التي ننظر اليها على انها نموذج في كل شيء. مع ملاحظة بأن اي تحرك حكومي باتجاه المحافظة على خصائص الشخصية العراقية، ينبغي ان تسبقه عملية دراسة وتقصي لتلك الخصائص، حتى تكون السياسات العامة المرسومة لدعمها وتعزيزها نابعة من حقائق علمية رصينة ولكي تكون المردودات مقبولة ومفيدة . وبغير ذلك فسيبقى هناك بونا شاسعا ما بين الدولة وما بين المجتمع ، ما بين السياسي والفرد العادي البسيط ، لأن كبرياء الشعوب والمحافظة عليه يعد من اهم اسباب نجاح النخب السياسية وفشلها، على اعتبار ان النخب الناجحة هي الاكثر فمها وتفهما لما يفكر به شعبها، والعكس صحيح ايضا.

?>