الجمعة , مايو 1 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / بقلم صلاح الحسن: قذارة الفساد وجمالية النزاهة

بقلم صلاح الحسن: قذارة الفساد وجمالية النزاهة

روى لي الاستاذ (فارس العجرش) ان هناك مقولة متداولة وهي انك اذا اردت ان تكافح الفساد فعليك ان تبدأ من الأعلى، ويستشهد اصحاب هذه المقولة بتنظيف السلم، فأنك ان أردت ان تنظفه فعليك ان تبدأ من الأعلى وليس من الأسفل لأنه لن ينظف بهذه الطريقة. وربما يكون مرد هذه المقولة الى حقيقة تاريخية لطالما اشار اليها القدماء والمحدثين وهي إن (الناس على دين ملوكهم او سادتهم). فإن نزهو نزه الناس وان فسدوا فسدت الناس ….ومع ذلك فأني ارى ان عميلة مكافحة الفساد، وكما لاحظت في تجارب كثير من الدول، ان التطبيق العملي لمكافحة الفساد يكون متوازياً على مستوى الكبار والصغار …فإذا ما كان الفساد الكبير، والمقصود به فساد كبار رجال الدولة المؤتمنين أصلاً على اموالها العامة ومستقبلها، هو الأخطر وهو الذي يحطم الدول ويمكن ان يقودها الى الإفلاس ويضعها تحت رحمة البنوك الدولية والمساعدات الدولية المزعومة، التي لا تكون بلا ثمن واقله ثمن التبعية السياسية …فإن مفعول الفساد الصغير، وبقصد به فساد الادارات التنفيذية وصغار الموظفين في السلطات المختلفة، يكون ايضاً مدمراً خاصة إذا أضحى ظاهرة عامة، فهو السبب في فقدان الدولة هيبتها وعدم احترام رجالها من قبل المواطنين، الذين يدركون ان كل شيء يمكن شراؤه بالمال في الأزمنة الفاسدة … ولعلي اتذكر حادثتين بقت في ذاكرتي عن قذارة الفساد وساهمت في تكوين رغبتي الشديدة في مكافحته. احداهما حصلت في  القرن الماضي وقد حدثني بها أحد ضباط الشرطة المتقاعدين في زمن النظام السابق وملخصها ان أحد الشباب المراهقين قد استغل وجود بنت جيرانهم في البيت لوحدها فطرق باب البيت وطلب منها حاجة ما وعندما دخلت الدار لتجلبها له لحقها وقام باغتصابها وهرب وتم تسجيل الشكوى لاحقاً وكان الدليل الجنائي هو آثار الاغتصاب على ملابسها التي حُفظت في كيس في مركز الشرطة لغرض ارسالها الى دائرة الأدلة الجنائية فقام اهل المعتدي برشوة من بحوزته هذا الدليل وتم استبدال الملابس بأخرى ومن ثم لم تأت النتيجة مطابقة وتمت تبرئة المعتدي!. والثانية رواها لي احد المحامين عن اسلوب بعض زملائه الفاسدين، فقد بَلغت عائلة عن وجود لص يحاول اقتحام دارهم وسرعان ما جاءت شرطة النجدة وحاول اللص الهرب ولكنهم تمكنوا في النهاية من القبض عليه وإحالته الى المحكمة المختصة لينال جزاؤه العادل، فقام بتوكيل محام للدفاع عنه، فإذا به يهمس في اذن المتهم اللص ان يقول امام قاضي التحقيق انه ليس لصاً وانما كان متواعداً مع ابنة صاحب الدار لوجود علاقة غرامية معها وانها هي من فتحت له باب الدار الخارجية ليدخل، وهذه طبعاً تختلف جذرياً عن جريمة السرقة المخلة بالشرف وعقوبتها الشديدة!. وبالمقابل روى لي أحد المحامين انه مر بتجارب كثيرة مع الفاسدين جعلته في احيان معينة يفكر في ترك مهنة المحاماة ويقول ان أحدها مفادها  ان أحد الأعوان طلب منه ان (يُورق) حتى يسهل مهمته بدلاً من الجدل والنقاش والمطالعات ووجع الرأس فيقول قلت له اتريدني ان اكون فاسداً بعد هذا العمر الطويل في المحاماة فأنا لا أعرف ان هناك شيئا اسمه (توريق) بل اعرف ان هناك شيئا اسمه جريمة الرشوة.ومؤكد ان هناك قصصا كثيرة جداً عن هذا النوع من الفساد الذي يتسم بالقذارة الشديدة، فضلاً عن قصص النزاهة واحترام الذات وكرامة الوظيفة العامة والمهن المرتبطة بها. فالفساد الصغير لا يقل خطورة عن الفساد الكبير من الناحية الاجتماعية على الأقل، ومن ثم يجب ان تنظم حملات قوية لمكافحته في كافة مرافق ومؤسسات الدولة بالتوازي مع حملات مطاردة كبار الفاسدين. نسخة منه الى من يهمه الأمر من رجالات الدولة النزهاء.

?>