الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / إنقلاب 17 تموز .. البداية المريبــة.. والنهــــــــاية المأســـاة 1968 -2003

إنقلاب 17 تموز .. البداية المريبــة.. والنهــــــــاية المأســـاة 1968 -2003

سيف الدين الدوري

ح٢٤

  بعدها توجهنا بسيارة حردان الشخصية التي يقودها حردان بنفسه وبجانبه عبد الرحمن عارف وفي الخلف أنا – احمد مولود مخلص – وصلاح عمر العلي . ودخلنا بيت حردان حيث قمت باعداد الشاي وبعض الخبز فطورا للرئيس عارف . ثم ذهبتُ بسيارة حردان الى مطار المثنى حيث اقلته طائرة الخطوط الجوية العراقية الى لندن حيث تعالج زوجته هناك.ويضيف الفريق احمد مخلص : اما ابنه قيس فقد جلبوه بطائرة هليكوبتر وأخذته بالسيارة الى بيته بالقصر الجمهورية حيث المقر الرئاسي وأخذ ما شاء من حاجياته هناك . وكان قد طلب مني ان ادخل معه فرفضتُ وقلتُ له لا أدخل وانت خذ راحتك وخذ ما تريد ثم اخذناه الى المطار حيث رافق والده الى لندن.سارع عبد الرزاق النايف الى إعداد خطة تنفيذ الانقلاب بالاشتراك مع ابراهيم عبد الرحمن الداوود وسعدون غيدان واحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش وحردان عبد الغفار التكريتي وانور عبد القادر الحديثي ، حيث جرى الاتفاق فيما بينهم على تفاصيل خطة الانقلاب معتمدين على كتيبة الدبابات التي كانت في القصر تحت إمرة سعدون غيدان . وجرى الاتفاق على أن يأخذ سعدون غيدان  كل من احمد حسن البكر وصالح مهدي عماش وحردان التكريتي بسيارته الخاصة الى داخل القصر الجمهوري ، ليقوموا جميعاً بالسيطرة على كتيبة الدبابات فجر يوم 17 تموز 1968 ، فيما يقوم عبد الرزاق النايف بالسيطرة على وزارة الدفاع . وأنيطت مهمة السيطرة على دار الاذاعة الى ابراهيم الداوود.وفي فجر ذلك اليوم قام سعدون غيدان بإدخال المذكورين – وهم يمثلون حزب البعث – بسيارته الخاصة وتم لهم السيطرة على كتيبة الدبابات المذكورة وأحاطوا بها القصر ، وقاموا باطلاق 5 إطلاقات من مدافع الدبابات كخطوة تحذيرية لعبد الرحمن عارف الذي إستيقظ من نومه مذعوراً ، وحالما وجد القصر مطوقاً بالدبابات ،أعلن استسلامه على الفور. وطلب تسفيره الى خارج العراق . وفي الوقت نفسه ، تحرك عبد الرزاق النايف نحو وزارة الدفاع بمساعدة عدد من الضباط الموالين له وسيطر على الوزرة دون عناء . فيما توجه الداوود الى دار الاذاعة بعدد من الدبابات وسرية من الحرس الجمهوري وسيطر عليها دون قتال . وقام حردان التكريتي باذاعة البيان الاول في الساعة السابعة والنصف من صباح ذلك اليوم 17تموز 1968.

شهادة برزان التكريتي

كان هناك تجمع لعدد من الحزبيين اعطاهم قسم من الاسلحة والملابس ، ووجههم ونحن لازلنا في بيت سعدون شاكر ، أخذني جانبا وقال لي برزان اذهب الى بيت ابو هيثم لأن هناك إحتمال ان يهاجمهم انصار النظام ، لذلك لابد أن تكون هناك مع مجموعة من الرفاق لحماية عائلة ابو هيثم. فقلتُ وأنت أين ستذهب ؟ قال انني مع القيادة وعدد من الرفاق سوف نذهب الى كتيبة الحرس الجمهوري . فقلتُ له انا معك الى هناك وليس الى بيت ابو هيثم . فلم يرد عليّ فعرفتُ انه وافق على ما قلته له. بعد التنفيذ ونجاح العملية قال لبو عدي وفي اجتماع عائلي انه طرح عليّ الفكرة لأنه عطف عليّ وليس السبب الذي أخبرني به وهو حماية عائلة ابو هيثم.  خرجنا من بيت سعدون شاكر وذهبنا الى تجمع آخر في بيت المرحوم عبد الكريم الندا ، هناك وجدنا قيادة الحزب كلها عدا الدكتور عزة مصطفى الذي كان يصطاف في لبنان، على ما اذكر اضافة الى عدد من  الحزبيين وكوادر الحزب هناك سحبني الى احدى الغرف وقال لي علينا ان نرتدي الملابس العسكرية ونترك ملابسنا المدنية ، فقمنا بذلك وعندما انتهينا من ذلك قال : برزان لا تنسى هويتك ، كنتُ احمل هوية المدرسة لانني لا زلتُ لم أكمل المرحلة الثانوية، وهو يحمل هوية الجامعة ، فقلتُ له وما هي حاجتنا بالهوية ؟ قال انها ضرورية لأن رفاقنا سوف يتعرفون علينا عن طريق الهوية في حالة استشهادنا. بعد ساعة او نحوها خرج الجميع الى سيارات لوري من كتيبة الحرس لنقلنا للكتيبة ، ونحن نحاول الصعود لهذه اللوريات واذا بحارس ليلي يركب دراجة هوائية وبدأ يصفر بصفارته ، وفجأة يقف عندنا ويبدأ يسأل عن هذا التجمع، وبسرعة فائقة يتقدم نحوه البكر ويمسك بتلابيبه وهو يقول ماكو شي وليدي ، ومما جعله يندهش لأنه لاحظ الرتبة العسكرية التي كان يضعها البكر على كتفه ، وبنفس السرعة صاح ابو عدي برزان ضعه داخل اللوري . تحركنا ، كان البكر والمرحوم صالح عماش في سيارة عماش المرسيدس ومعهم شخص آخر اعتقد المرحوم انور الحديثي، وخلفها سيارة المرحوم حردان المرسيدس وفيها حردان وإثنان آخران  يقودها سعدون شاكر ، أما ابو عدي فصعد معنا في احدى اللوريات . بدأ الشرطي يصرخ ولخوفنا ان يسبب لنا أشكالا . قال لي ابو عدي إذا إستمر بالصراخ أطلق على رأسه النار، وعندما سمع ذلك سكت ولم نسمع منه شيء ، ودخل معنا كتيبة الحرس . وعند الصباح بدأنا نفتش عنه لأن ابو عدي طلبه لك يأخذ اسمه لغرض ترفيعه ، فودناه في احدى زوايا حدائق الكتيبة، ونحن بطريقنا ذهبنا الى وكر آخر للحزب يقع خلف مستشفى الطفل العربي في كرادة مريم أخذنا عدد من الشباب الذين كانوا متجمعين هناك. وعندما وصلنا الى باب الكتيبة لاحظتُ ان السيارات المرسيدس تراجعت وأصبحت خلفنا ، وأصبحنا نحن بالواجهة ، صاح الحرس بصوت عال جداً : قف. وتقدم آمر الحرس شاهرا سلاحه نحونا للاستفسار منا عن هويتنا وعن سبب مجيئنا ، في هذه اللحظات ظهر المرحوم سعدون غيدان وصرخ بالحرس وآمر الحرس : إفتح الباب.. صديق.. صديق. وعندما التفت آمر الحرس وشاهد آمر الكتيبة أتذكر أن سلاحه سقط على الارض من يده، ودخلنا الكتيبة وحصرا الى كراج الدبابات الذي يحيط به ابراج على كل واحد منها عدد من الجنود مع رشاشات متوسطة مصرية نحونا، إنه منظر فظيع ، كل ما اتذكره أشعر جسمي ينمل.كان عدد من الرفاق سبق أن تدربوا على قيادة الدبابات فترجلنا هناك وتوزعنا الى زمر كما يطلق عليها بالمصطلح العسكري ، فصعد الرفاق على ظهر الدبابات . اما ابو عدي وأنا فذهبنا نفتش عن مشجب السلاح لكي نسيطر عليه ولكننا لم نعرف أين هو بالضبط ، مما جعلنا نمر في قاعات المراتب وغرف الضباط ، مما اضطرنا الى أن نجمعهم داخل القاعات ونغلق الابواب عليهم. عدنا بإتجاه الكراج لكي نلتحق بجماعتنا ونحن في الطريق واذا بثلاثة ضباط يركضون ويحاولون غلق ازرار ثيابهم وهم يركضون وخلفهم عدد من ضباط الصف يحملون بنادق كلاشنكوف ومستمرون بالتقدم بإتجاهنا ، فوقفنا وكنتُ أقف أمام أبو عدي ، والسبب والله على ما اقول شهيد ،أنني كنتُ أفكر اذا ما تمّ إطلاق النار علينا لكي أصد الضربة بجسمي واحمي ابو عدي ، فصرخنا بهم قائلين : ارجعوا والا سوف نطلق النار عليكم.. كان ابو عدي يحمل رشاشة سترلنك وانا كنتُ احمل مسدس براوننك اشتراه لي ابو عدي قبل اشهر من العملية ، وبقدرة قادر وقفوا أمرناهم بالعودة الى ما حيث كانوا ، ففعلوا وذهبنا بعد ذلك الى كراج الدبابات فصعدنا على احدى الدبابات وكان معنا السيد ذياب العلكاوي ، كان برتبة عميد في ذلك الوقت ، كان جندي واحد فقط من طاقم الدبابة وهو سائق الدبابة ، فطلب منه ابو عدي ان يحرك الدبابة قاصدا الباب الرئيس للقصر الجمهوري ، طبعا في ذلك الوقت كان باص المصلحة يمر من عند باب القصر ، وكذلك بقية سيارات الناس لأن في ذلك الوقت لم تكن هذه البوابات ولا المنطقة قد تحولت الى منطقة خاصة بعد ان كانت كرادة مريم منطقة سكنية حالمة تعتبر من مناطق بغداد  الراقية ، وهي من مناطق بغداد القديمة بمجتمعها . وكان مسبح بغداد والبولنك مقابل القصر الجمهوري مفتوح لعامة الناس ، سبق وأن ذهبت ولاكثر من مرة للسباحة هناك. ولكن مع الاسف كل هذه الاجواء الجميلة والطبيعية إختفت بعد ان وصلنا الى القصر الجمهوري، وتم إستملاك الاراضي والدور  ، وتم مصادرة المرافق العامة في هذه المنطقة الجميلة ، وتم تحويلها الى معسكر متخلف واليس الى معسكر منظم.وقام السائق بتحريكها باتجاه القصر الجمهوري ، وبعد مسافة قصيرة توقفت ، فإعتقدنا انها توقفت بفعل من السائق لانه لا يريد ان يطيع اوامرنا..

?>