الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / الخروج من مخيلة الغرور .. مخطط الصهيونية في تكريس صورة التخلف العربي

الخروج من مخيلة الغرور .. مخطط الصهيونية في تكريس صورة التخلف العربي

عزيز السيد جاسم

ح٢ والأخيرة

وما من شك في ان الاختبار صعب جداً ، وخاصة من قبل ذهنية متعجرفة ، تحاكم الوقائع بلغة العواطف الفارغة والانفعالات المتشنجة. فالى الان يسمى بعض العرب الاشياء باسمائها ، فـ (اسرائيل) تسمي بعشرات الاسماء للابتعاد عن تسمية واقعية، ولكن ما فائدة التعالي العربي المتجاهل لـ (اسرائيل) وللنشاط الصهيوني المتميز ، لقد اعطى ذلك لـ (اسرائيل) فرصاً لا مثيل لها للتحرك بحرية ضد العرب الذين تمسكوا بالاحتقار والاستخفاف بعدوهم ، تاركين إياه يخطط ويعمل بنشاط وذكاء كبيرين. ان الخطوط البيانية لم تعد مستوردة سواء فيما يتعلق بـ (اسرائيل) وما احرزته الصهيونية منذ ان انطلقت كفكرة اصبحت دولة والى الان ، او فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية منذ ان كانت (الوطن) والى ان اصبحت فكرة وقضية سياسية الان وهلمجرا ، في امثلة قياس اخرى تتصل بمحنة لبنان الدامية او ليزج العراق منفرداً في حرب ضاربة تهدد الامة العربية والاسلام. انه لمدخل واسع في تناول مسألة من هذا القبيل ، متعدد الجوانب والفصول والابواب فكيف يمكن ان تطلب من (احد) استيعاب الاساليب الصهيونية ، والافادة منها للرد عليها اذا كان ذلك الاحد متعالياً مغروراً لا يسمي خصمه حتى باسمه ؟! ولعل المفارقة ان (ذلك الاحد!) هو نفسه الذي يتضايق من شدة وطول امد (الصراع العربي ــ الاسرائيلي) ولذلك يتقبل اي حل اجنبي وعبر مفاوضات سرية غير مباشرة ، تكفيه مؤونة المتاعب وتخلصه من (اعباء الصراع !). لكن في التاريخ العربي للسياسة توجد امثلة مهمة ايضاً ، ففي القرن التاسع عشر صدر كتاب بالعربية تحت عنوان (المرشد الى صفات الاوربيين) ورغم انه تناول صفات اوربية يعتبرها حسنة من وجهة نظره ، الا ان فكرة الكتاب تحمل شيئاً صحيحاً وعملياً محدداً ، فقد سأل الكتاب : لماذا استطاع الاوربيون ان يسيطروا علينا؟ واجاب بان قوة الغرب ونجاحه يرجعان الى مؤسساته السياسية : البرلمان ، رئيس الوزراء ، ومجلس الوزراء ، والتنظيم الحزبي ….الخ). بالإمكان استصفاء الفكرة في الكتاب المذكور من جزء من السؤال ، ومن اجزاء من الجواب ، وصولا الى فائدة محددة وهي : كيف يستطيع العرب والفلسطينيون سبر العقل الصهيوني ، والاسلوب الصهيوني ، في التخطيط وفي الممارسة!. ان الموضوع المذكور اكبر من الاهتمامات العربية الاخيرة ، والمتزايدة في دراسة الصهيونية ككيان عنصري شوفيني ، وتسليط الاضواء على الفكر والسياسة الصهيونيين. لان البحوث الدراسية شيء ، والجدوى التطبيقية لها شيء اخر ، وان تكديس البحوث لا قيمة له اذا لم تكن للبحث قيمة علمية تتلقفها المؤسسات والاجهزة المسؤولة. لقد احرزت (اسرائيل) تفوقاً ملموساً في حروب عديدة ضد العرب ، وظهرت بحوث عربية مهمة تحلل اسباب التفوق المذكور ، غير ان قيمة هذه البحوث تضيع في الكسل او في الفصام السياسي ـ الثقافي ـ او في الانجرار وراء الاحداث. والمهم على الدوام هو : الافادة من البحوث المذكورة لاكتساب نقاط التفوق الصهيوني وتجاوزها بقدرات وخبرات اعلى و اكثر انعطافية. لم يعد معقولاً ان الكيان الصهيوني المحدود ازاء البحر البشري للعرب ، يتوصل الى نجاحات مطردة في الحرب والتسليح والتجهيز العسكري والعلمي في معالجة ازماته الاقتصادية دون ان يغير العرب المعادلة ولو بعضا منها! وفي الوقت الذي يخترق فيه العدو الصهيوني الارض العربية في كل حرب بيسر وسهولة تخترق مخابراته الجاسوسية الوجود العربي في مواضع حساسة منه. بالاقل ان ذلك يستثير الدعوة الملحة لدراسة عناصر التفوق في النشاط الصهيوني لتوفير امكانات استراتيجية عربية تؤهل العرب لمجابهة تاريخية صريحة لا مفر منها. ان (اسرائيل) وهي لا تخفي احتقارها للعرب ، تجند امكانات كبيرة لدراسة تاريخ العرب وواقعهم السياسي والفكري ، والحكومي والشعبي ، موظفة ذلك في خدمة النهج العام للسياسة الصهيونية واهدافها العدوانية. وهي تخلق تكاملاً بين مجمل سياساتها وخططها وبرامجها على الصعيدين النظري والتطبيقي بصورة جديرة بالدراسة. وان دراسة كتلك تضع التجارب العربية المتعددة في موضع المقارنة الحتمية التي لا امل بالهروب منها ، سواء في اسلوب الحكم ، او في ادارة الاقتصاد ، او في ميدان الحريات السياسية والفكرية ، او في البناء العسكري ، او في مضامير العلم والتكنولوجيا او في اسلوب تعامل (الدولة) مع (الفرد) او في غير ذلك. ويعتبر التصميم الصهيوني من طراز الارادات السياسية التي تستحق اهتماماً دراسياً مفصلاً ، ذلك لانه تصميم قديم ادركته وتجاوبت معه القوى الاستعمارية. وقد كان نابليون بونابرت متفهماً لمدى الفائدة التي يقدمها اليهود لسياسته التوسعية ، حينما خاطبهم في الرابع من ابريل عام 1799 قائلا : (يا ورثة فلسطين الشرعيين) ودعاهم الى (إعادة احتلال وطنهم). واذا ما كانت بدايات التصميم الصهيوني على الاستيطان في فلسطين تشير الى تطابق بين الاراء وخطوات التنفيذ ، اي بين الشعارات السياسية والهجرة الصهيونية الى فلسطين ، فان المراحل الزمنية المتلاحقة عبرت عن تماسك الخطوات الصهيونية السائرة باتجاه الهدف الصهيوني. ولم تكن الخطوة الصهيونية متروكة للاعتبارات الانية ، بل كانت ـ ولا تزال ـ مدعومة بشروط وعوامل بمستوى فعال من حيث الفكرة ومن حيث الاداء التطبيقي. ومن المفيد الاطلاع على صور الاصرار الصهيوني على فلسطين العربية قبل قيام (اسرائيل) في الخامس عشر من مايو عام 1948 وقبل انعقاد المؤتمر الصهيوني الاول في مدينة بازل بسويسرا بين 29 ـ 31 اغسطس عام 1897 . لملاحظة الاندفاع نحو الغايات الصهيونية بطريقة ملكت حياة اليهود ـ الصهاينة ، التي تبرمجت ايديولوجياً وسياسياً على نحو عجيب ، قبل ان تتبلور الصهيونية كحركة دولية.

في عام 1865 انشئ في لندن ، صندوق استكشاف فلسطين (بــ) رعاية الملكة فكتوريا ورئاسة رئيس اساقفة كانتربري ولعب الصندوق دوراً هاماً في تزويد الساسة والعسكريين البريطانيين بالمعلومات الجغرافية والتاريخية والسياسية التي كانوا يحتاجونها لمد نفوذهم الاستعماري على المنطقة ، ففلسطين منذ اواسط القرن الماضي بدأت تشغل حيزاً هاماً في سياسة التوسع الاستعماري البريطاني. ان الصندوق المذكور وهو يدعي الانطلاق من طابع ديني علمي كان تحت اشراف عناصر عسكرية ، لا يبدو الرابط بين وظيفتها العسكرية وبين التنقيبات والاستكشافات الجيولوجية مبرراً ومفهوماً ، الا من خلال الدور السياسي الموحد للاستعمار البريطاني وللهجمة الصهيونية ضد فلسطين واهاليها العرب. ويتضح هذا فيما لو القينا نظرة سريعة على طبيعة عمل الاشخاص الذين اشرفوا على عملية التنقيبات والاكتشافات لتجد ان غالبيتهم كانوا من العسكريين الانجليز ومن سلاح الهندسة الملكي بالذات ، وكان من ابرزهم الكابتن لوندر ، والكابتن وارين ، والكابتن ويلسون ، والكابتن نيو كومب ، و رجل الاستخبارات المعروف لورنس ، واللورد كتشز الذي عين فيما بعد معتمداً بريطانياً في مصر. ترى اي التقاء في مشروع تنقيبي يتجمع فيه عسكريون وادباء واستخباريون وعلماء في مهمة واحدة ؟!. لو كان العرب ينظرون الى تلك البدايات الصهيونية ـ الاستعمارية بمنظار الواقع ، لا بمنظار التعالي والغرور والتجاهل والاستخفاف واللاابالية ، لكانوا قد رأوا ــ وميض البداية ــ خطورة التصميم المعادي ، وهو يتبدى في مهمات متكاملة تتضافر في ادائها مختلف الاختصاصات المعرفية ، لان النظرة الصهيونية اعتمدت التعبئة الكلية من اجل تحقيق الهدف الذي يشكل ـ ايضاً ـ حلقة من سلسلة الاحداث التاريخية للصهيونية. لقد استغرقت عملية مسح فلسطين الغربية ، مدة ست سنوات و (مما يسترعي الانتباه في التقرير الذي قدمه كوندر حول عملية مسح فلسطين الغربية ، التي استغرقت ست سنوات اهتمام الباحثين بجغرافية فلسطين والتركيز على مصادر المياه فيها والتثبت من اماكن هذه المياه وحجمها ، هذا بالاضافة الى احياء التسميات التوراتية القديمة وتحديد مواقعها الحديثة. ومن المثير ان فريق العمل الذي يشكل العسكريون غالبيته ، قام بمهمات استكشافية وتثبيت الخرائط بمطابقة مع التوراة لاظهار الاستيطان الصهيوني وكأنه تجسيد لقدرية لا مناص منها. واتحد الجانبان العلمي والميتافيزيقي في الخطوة الصهيونية الواحدة ، واصبح اليهودي ـ الصهيوني المطلع على نتائج التنقيبات الجيولوجية والاقتصادية والتاريخية ، يرى في الهجرة والاستيطان استجابة لنداء علوي ، ورسالة توراتية مقدسة ، اي ان الجانب الاسطوري المتمثل في العودة الى (ارض الميعاد) ، من قبل (شعب الله المختار !) ، استثمر العلم والفكر والتاريخ والمغامرة استثماراً منهجياً جدياً. ورغم سعة وتعدد المهمات في البحث والتنقيب ، اصدر العسكريون كتباً ومجلدات متميزة (فـ) الكابتن وارين نشر عدة مجلدات كان اهمها (احياء القدس) و (مذكرات عملية مسح فلسطين) بالاضافة الى (كتاب ارض الميعاد) الذي نشره عام 1875 ودعا فيه الى تولي شركة الهند الشرقية تنمية موارد فلسطين وخاصة مواردها الزراعية والتجارية وتدريب المستوطنين اليهود على ادارة شؤونهم تمهيداً لتسلمهم حكم فلسطين وادارة شؤونها. اما الكابتن كوندر فكان عنوان دراسته (مستقبل فلسطين) حيث اشار فيه الى ان المستوطنين اليهود هم العنصر الفعال الوحيد الذي بمقدوره ان ينهض بفلسطين وبمدينة القدس خاصة ، وكان مما قاله في هذا الصدد : (ان عدد اليهود في مدينة القدس عام 1793 لم يكن يتجاوز بضع مئات اما الان ـ 1892 ـ فقد بلغ عددهم اربعين الفا ، واصبحوا يسيطرون على التجارة في المدينة ، ولم يعد اليهود اقلية مضطهدة وجبانة ، انما يبدو انهم سادة المدينة الان). واصدر الصندوق عام 1892 كتاباً بعنوان (المدينة والارض) وهو عبارة عن مجموعة من الدراسات كان اهمها دراسة لوولتر بيسانت جاء فيها قوله : (كنا نستعيد مجد فلسطين في عهد هيرودس ، كنا نستعيد بلاد داود ونرد الى الخارطة اسماء المدن التي دمرها القائد العظيم يوشع ، لقد اعدنا الى القدس مكانتها ومجدها وفخامتها ، لقد اعدنا البلاد (فلسطين) الى العالم بالخارطة والاسماء والاماكن المذكورة في التوراة ، عندما وضعت الاسماء في اماكنها اصبح في وسعنا تتبع سير الجيوش في زحفها). حينذاك ، كانت اية متابعة ذكية من قبل العقل العربي لكيفية التحرك الصهيوني (العلمي ـ الروحي ـ التاريخي ـ الايديولوجي) كفيلة بالتوجه نحو مجابهة قومية ـ دينية ضد الصهيونية. لقد تعمدت الصهيونية الهزء من الاسلام من خلال فضح الصورة المتعفنة والمتقهقرة للدولة العثمانية ، كما تعمدت الهزء من القومية العربية من خلال تصوير العرب في وضعية دونية ولا حضارية. وكان الحد الادنى من مواجهة التحدي المذكور للاسلام وللقومية العربية يتمثل في ضرورة التعبئة القومية ـ الاسلامية المنظمة وموحدة الخطى ضد المراحل الاولى للتغلغل الصهيوني الاستيطاني ، والتي تمت بالذات من خلال قبول الدولة العثمانية (الاسلامية !) بشراء الصهاينة لاراضي عربية فلسطينية، وبناء الاحياء الصهيونية ، او بمنح امتيازات استئجار الاراضي للزراع اليهود القادمين من اوربا وروسيا. ان (صندوق استكشاف فلسطين) هو واحد من الامثلة الكثيرة على نوعية التصميم الصهيوني قبل اعلان قيام (اسرائيل) بسنوات عديدة ، وكانت عمليات الاستيطان محدودة وتدريجية في ظل هيمنة انساق تاريخية كبرى اسلامية وعربية ، كانت قادرة على الحيلولة دون نجاح المخطط الصهيوني ، اذن كيف نتخيل نوعية التصميم الصهيوني الان ، و (اسرائيل) على ما هي عليه من الامكانات المعروفة؟ وكيف يستطيع العرب ان يخلعوا عن انفسهم رداء الانطباع الذي البسهم إياه الصهاينة امام العالم؟ ان (اسرائيل) تدرك جيداً ان العراق الآن ليس عراق الثلاثينات والاربعينات والخمسينات ، حينما كان الفقر والخواء والسلبية علامات اقطاعية بدائية حرمت الجماهير الفلاحية من ظروف الحياة الجديدة، والصحة المعنوية. كما ان الوطنية العارمة ، وهي ترفض (الولاء المزدوج) الذي امتصت منه الصهيونية عصارتها لفترات طويلة ومستمرة اكتسحت الجاسوسية الصهيونية المتسترة وراء براقع التجار والملاكين والمرابين اليهود المعدودين. وفي المجرى الوطني الواسع للتنمية والتحديث وتطوير القدرات العسكرية والتعبوية واعتماد معطيات الثورة التكنولوجية ، نشأت مقومات متينة وجديدة لليقظة الحضارية التي تثير حفيظة الشوفينية الصهيونية. وحيث ان الروح الصهيونية هو روح المؤامرة الدائمة ضد اي استيقاظ عربي ثوري في اي بقعة من بقاع الوطن العربي الفسيح ، فان مسؤولية ذات شقين هي مسؤولية العرب اجمعين : كيف الخروج من مخيلة الغرور؟ وكيف الدخول في جدوى الاستيعاب العربي ـ الفلسطيني لاساليب العقل الصهيوني وتصميماته القديمة والجديدة؟.

?>