الجمعة , مايو 1 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / دروس رائع في التاريخ الحديث!

دروس رائع في التاريخ الحديث!

بقلم صلاح الحسن

يحكى ان الزعيم السوداني إسماعيل الأزهري رئيس وزراء السودان الأول 1954-  1956  ، ورئيس جمهورية السودان الثاني 1965-1969عندما ذهب الوفد السوداني في الخمسينات لمقابلة ملكة بريطانية والتفاوض مع صاحبة الجلالة على استقلال السودان وخروج الإنجليز من السودان برئاسة الزعيم إسماعيل الأزهري.. تعمد الأزهري الجلوس على عرش وكرسي الملكة البريطانية..مما أصاب مسؤول المراسم الملكية بالدهشة والارتباك والحرج ..فدنا من الزعيم الأزهري يحدثه بأدب وبصوت خفيض لقد أخطأت يا سيدي الرئيس في البروتكول هذا كرسي الملكة صاحبة العرش!! فانتفض الأزهري شامخاً يزأر كالأسد وهو يوجه كلامه لكل الحضور بصوت جهوري طلق  وإنجليزية سلسلة سليمة : لا يا ابنى أنا لم أرتكب  خطأً بروتكولياً كما زعمت.. ولقد تعمدت الجلوس على كرسي عرش مملكتكم لكي اثبت لكم أيها البريطانيين وأثبت للجميع إنكم لا تطيقون جلوسي على مجرد كرسي يرمز للعرش ولو لبضع دقائق … بينما تعطون أنفسكم الحق في الجلوس على عرش بلادي خمسة وخمسين سنة دون وازع أو ضمير .. ثم قام ليجلس على الكرسي المخصص له بعد أن دوت القاعة بالتصفيق من الجانبين السوداني والبريطاني.. وفي اليوم التالي صدرت الصحف البريطانية وعلى رأسها التايمس والديلى والغارديان وفي مقدمتها وفي الصفحة الأولى مانشتات وبالخط العريض :الزعيم الأزهري يلقن الإنجليز درساً قاسياً … باللّه عليكم أليست هذه رجولة نادرة؟ .. هل هناك سياسي أروع وأذكى منه؟ وهل من رجل غير هذا الاسد السوداني يقدر يجلس على كرسي وعرش ملكة بريطانية أكبر إمبراطورية عرفها العالم في ذلك الزمان …والحديث عن الأزهري يحتاج لمجلدات ولكنني  سأختم لكم بموقف لا أعتقد أنه يتكرر في مثل هذا الزمان .. حكى سواق الزعيم الأزهري أنه خرج معه في مشوار الساعة الخامسة مساء ولم يكن يعرف وجهته إلى أين حتى وجد نفسه أمام قهوة يوسف الفكي بأم درمان وطلب منه الزعيم التوقف هنا … لماذا لا أدري؟ وعندما رأى يوسف الفكي عربة الرئيس جاء مهرولاً إليه يسلم عليه ويحيه …فيبادره الزعيم الأزهري: سلفني 30 جنيهاً؟ يقول السائق واللّه كاد أن يغمى علي هذا الرجل نزل علمين لكي يرفع علم السودان والآن يستدين 30 جنيهاً من سيد قهوة ؟ لا والأدهى أن صاحب القهوة أعتذر  بأنه لا يملك هذا المبلغ الآن؟ ويعود الزعيم دون أن يحصل على هذا المبلغ الزهيد والذي كان يريد أن يدفع منه راتب السواق 10 جنية والطباخ خمسة جنيهات والغسال 2.5 جنية  ويحضر مستلزمات لمنزله ببقية السلفة.. ما هذا النبل وما هذا الصدق وما هذه الأمانة ؟؟؟ زعيم يجلس على كرسي العرش البريطاني ويأتي باستقلال السودان ويموت معدما فقيرا.. واليوم أشباه الرجال ولا رجال يسرقون شعوبهم المليارات بلا حياء أو ضمير أو خجل.. رحم اللّه الزعيم إسماعيل الأزهري.

?>