لا أحد يستطيع ان ينفي قدر الضيق والاعياء الذي يمر فيه بعض الأفراد في المجتمع بفعل المشاكل العامة والخاصة التي لا تنتهي . الأطباء قد ينجحون في معالجة أمراض الأجساد الظاهرة، من خلال العقاقير المعروفة لكنهم يقفون عاجزين أمام الاحاسيس غير المنظورة التي تعشعش في أعماق الناس. من هنا تبدأ معاناتنا مع الألم، فنبحث بشكل لا إرادي عن العلاج لعلنا نجده في مكان ما. بعض الناس يتجه الى الأساليب غير المشروعة مثل المخدرات وبعضهم يلزم السير في طريق الحق ولا يحيد عنه لكنه يتفنن في التمتع به، ومن ابسط ابجديات الترفيه في مجتمعاتنا ان ننثر همومنا في الاسواق ونضيعها وسط الزحامات البشرية. الذهاب إلى الاسواق الشعبية مفيد للغاية لأنك ستجد اشباهك في المعاناة، وهذا ما فعلناه عندما دخلنا الى سوق النبي يونس ع، فما ان تعبر الجامع المهدم الذي لم يتم اعادة تعميره الى حد الآن حتى تصبح على مفرق عدة طرق. وسط ويمين ويسار او العكس، بحسب المكان الذي جئت منه. في بدايات السوق سوف تختلط عليك الاصوات، الباعة ينادون على بضاعتهم بطريقتهم الخاصة، مثلا ستسمع: تعال ع البلاش، لكن إياك أن تصدق انه ببلاش بل هو رخيص فقط ،قد يعترض طريقك طفل ويهمس في اذنك : انا محتاج للمال، وقد يدخل صوته قلبك فتعطيه ما تجود به يداك، وقد يكون الطالب رجلا طاعنا أو امرأة كبيرة في السن فلا يعجبك طريقتهم في التعبير عن الحاجة إلى المال فتمضي وشانك. بعد ان تعبر الشارع الذي يملأه الناس ، سوف تتوقف حاجتك للسمع، ورغم الضجيج ستشعر بأن جسمك يتكون من حاسة واحدة، الا وهي حاسة الشم. تناديك روائح المطاعم المتخمة بما لذ وطاب من الأكلات المعمولة بشكل دقيق للغاية، تقول لك : تعال أيها الجائع كل واشرب حتى تشبع وتشكر الله على نعمه. ونحن متأكدين بأنك ستلبي النداء. بعد تناول النعمة، ستتوقف حاسة الشم أيضا حالها حال حاسة السمع ، سينصت العقل الى نداء قادم من البنكرياس او المعدة ، يقول لك: نريد حلاوة ، هذا الطلب أيضا لا مجال لرفضه ستتناول واحدة او اثنان من قطع البقلاوة او من الزلابية او السجق. قد تسير قليلا، لكن ثمة قرقعة في رأسك ستشل حركتك، كأنك اصطدمت بجدار. وطبعا هذا ليس مجرد وهم ، بل هو حقيقة لأن الذي يحدث هو صدور ايعاز من الدماغ مفاده اريد استكان شاي. عندما ترتشف شاي النبي يونس تكون نفسك قد طابت، وذهب حزنك وهمك وكذلك الوقت، حيث يثير الحنين فيك الى الآخرة صوت مؤذن الجامع، فتصلي المغرب وتصفو نفسك وتعود الى اهلك وانت سعيد.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة