الجمعة , مايو 1 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / د. سعدي الابراهيم: افكار تقبع في السجون

د. سعدي الابراهيم: افكار تقبع في السجون

العقل هو الة لصناعة الافكار، وهو لا يتوقف عن العمل ابدا، لكنه ايضا يمتلك مخازن او خلايا للخزن، توضع فيها الافكار التي يصعب البوح بها، اما لأنها تخالف المألوف فيخاف اصحابها طرحها، واما لأنها تحتاج الى همة عالية حتى تطبق على ارض الواقع فتترك على رفوف العقل ولا تستعمل. الافكار المسجونة في زنزانة العقل، تتحين الفرصة للافلات ، فنراها تظهر عندما يفقد العقل السيطرة عل سجونه، اما بفعل المخدرات او الكحول او حتى التخدير الطبي، ففي هذه الحالة سيتكلم الانسان كل ما يؤمن به، سيفرغ افكاره امام الناس دون خشية من شيء، وقد تتنفس الافكار الصعداء وتتفلت من سجونها ايضا اثناء النوم، على شكل حلم او رؤيا او هذيان. ان عملية سجن الافكار في زنزانات العقل، تبدأ منذ الطفولة، فكما هو معروف ان الانسان يولد حرا، لكن سرعان ما يقيد نفسه بالسلاسل والاغلال، هذه القيود تفرضها الاسرة والمجتمع على الطفل، فبعد ان يجيء الطفل الى الدنيا وهو يبوح بكل ما يفكر ويشعر به دون قيد او شرط، نرى المحيطين به يصرخون عليه: حرام – عيب – اياك ان تتكلم بهذا، والا سيحاسبك القانون والشرطة والنظام، فيتخلى المسكين عن حريته ويأخذ افكاره الى سجونه الداخلية وقد لا يخرجها الى الابد. لكن ليس كل الناس بهذه القسوة ولا بهذا الظلم، لا، هناك اشخاص يقررون في لحظة ما بأن يكونون شجعان، يصبحون مثل حاكم دكتاتور تتنزل على قلبه الرحمة فيصدرون عفوا عاما يبيضون به السجون، يحررون افكارهم، منهم من ينطق بها مثلما هي، كما هو حال الدول المتقدمة، التي وصل الانسان فيها الى درجة عالية من الاطمئنان بحيث لم يعد يهتم بشيء في الكون اكثر من نفسه، وبالتالي هو يتخلى عن افكاره من خلال قذفها الى الخارج دون ان يراعي العيب او الحرام او حتى الخوف من القانون، وهناك من الاشخاص من يحرر افكاره لكنه يلبسها اقنعة تخفي ملامحها الحقيقية، فتظهر للناس بأشكال غير واضحة، والحجة انه يتكلم بشكل غير مباشر، او ما يسمى بالتورية والتمويه. نحن هنا لا نتهم الافكار بالركون والسكوت والسكينة ولا بعدم المقاومة، على العكس فهناك من الافكار من ينتفض ومن يثور ومن يتمرد على العقل، فيحدث تناقضا بل تحدث حرب في داخل الانسان، خاصة عندما يتصرف بعكس افكاره وقناعاته، من هنا تأتي اهمية ان يطلق كل منا، ما يؤمن به وان يقوله للناس وان يطبقه في المجتمع، حفاظا على صحته الداخلية اولا، ولعل ما سيقدمه من فكر يكون مفيدا.

?>