تبدأ الحكومة فور تشكيلها بقرارات شجاعة ورشيدة ثم تتبعها بإجراءات سريعة ومستعجلة، فيستبشر الناس خيرا ويعبرون عن شكرهم للمسؤولين بطريقتهم الخاصة سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي او حتى من خلال احاديثهم الخاصة بل قد يعبر عن الشكر بواسطة الدعاء للوزير او المدير او الموظف الفلاني بالتوفيق والنجاح. لكن شهر العسل الحكومي سرعان ما ينتهي وتبدأ مرحلة طويلة من الهجوم المقابل : الفشل يهاجم النجاح ويلحقه الى عقر داره والهمة العالية تعلن الاستسلام امام الكسل والتراخي والاهمال ، والقرارات الشجاعة يتم التراجع عنها بل وعن القرارات التي اتخذتها الحكومات السابقة ايضا. هنا تتبدد احلام المواطن وتطير طموحاته العالية وتتحول حقوقه الى امنيات يستحيل الوصول اليها ، طبعا سيكون سلوك اغلب الافراد متوافقا مع نهج الدولة الجديدة ، فيكثر صراخ المواطنين وتعلو اصواتهم الناقدة والناقمة على الاوضاع السيئة في البلاد وعلى عدم مقدرة الدولة على تلبية احتياجاتهم غير المحدودة وحتما سيعبرون عن عدم رضاهم عبر الوسائل المتاحة التي يأتي الانترنيت في مقدمتها وعلى رأسها الفيس بوك واخواته. تراجع الطاقة والهمة والنشاط لا يشمل الحكومات فقط ، بل هو سمة عامة او لنقل داء عاما يصيب جميع الافراد اينما كان موقعهم ، وتلاحظ هذه الظاهرة على الاخص في البرامج التلفزيونية ، حيث يبدأ البرنامج بطرح جميل وقوي ، لكن سرعان ما يبدأ التراجع ويكثر التكرار والروتين ، حتى يصاب المشاهد بالملل ويبدأ عملية البحث عن برنامج غيره، والشيء نفسه ينطبق على المحاضرات التي يبثها او يلقيها بعض المثقفين، ايضا تكون البداية ممتازة لكن النهاية غير مهمة وليس فيها شيء يذكر. هذه البرامج تضطر الى التوقف لانها فقدت طاقتها الابداعية ولم تعد قادرة على الاتيان بجديد. ان تفسير الحالات اعلاه سواء الرسمية او الفردية سهل للغاية، وهو امر طبيعي وليس شاذا او نادرا. لأن الحكومات تتكون من اشخاص وكل شخص لديه وعاء يخزن فيه طاقته، والبرامج والمحاضرات وغيرها هي ايضا تقاد من قبل الافراد وايضا كل فرد لديه وعاء لخزن الطاقة ، مع ملاحظة اننا نقصد بالوعاء هو العقل الانساني، وبالتالي فأن هذا الوعاء يتم افراغ محتوياته ويصبح خاويا لا شيء فيه ليقدم للناس. وحل هذه المشكلة بسيط للغاية وهو عبارة عن زيادة المخزون، وزيادة المخزون المعرفي يتم بالتعلم او القراءة والتثقيف والتدريب، يقابلها استراتيجية البطء وعدم التفريغ المستعجل ، بمعنى ان الحكومة ينبغي ان لا تطلق كل امكانياتها في شهر واحد وتبقى طوال السنة من دون شيء تقدمه، والافراد سواء في البرامج التلفزيونية او في محاضراتهم ولقاءاتهم الخاصة يجب ان يفعلون الشيء نفسه، الموائمة بين ما نملك في المخازن وكمية ما نعرضه للناس.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة