تقسم المجتمعات الى عدة فئات : اطفال وشاب وكبار في السن ، ولا يختلف المجتمع العراقي عن هذه القاعدة . لكن لعل الاختلاف انما يتمثل في الظروف التي عاشتها كل فئة من الفئات الثلاثة اعلاه ، وبقدر تعلق الامر بكبار السن، فهذه الشريحة نستطيع ان نقول عنها بانها باتت غريبة في مجتمعها اليوم، والاسباب التي تقف وراء ذلك كثيرة ، ومن اهمها :
1 – تغيير الفلسفة السياسية في البلاد : كانت الاجيال السابقة على العام 2003، معرضة للتوجيه السياسي، هناك ايدلوجيا للأنظمة المتعاقبة تعمل على زرعها في عقول الناس ، وهي جزء من منظومة متكاملة ، مدنية وعسكرية وثقافية وتعليمية ، ضُخت بوسائل متعددة من اهمها الاعلام ، وبالتالي عندما حدث التغيير ، لم تستطع تلك الاجيال ان تمسح ما علق بذاكرتها بسهولة، وبما ان النظام الجديد لا يحمل ايدلوجيا او وجهة نظر واضحة ومحددة، فبالتالي لم تجد شريحة كبار السن من بديل عن التركة القديمة، ولأنها لا تتوافق مع الحاضر، فقد صار اغلب عناصرها يشعر بأنه غريب .
2 – اختلاف طريقة الحياة وطبيعتها : الاجيال التي قضت نصف اعمارها او اكثر ، في مرحلة ما قبل عام 2003، لا تستطيع التكييف مع الظروف التي اعقبت العام نفسه، فقد اختلف كل شيء من حولها، هناك اختلاف في القيم المجتمعية، والقيم الوطنية، ومتغيرات جذرية في السلوكيات اليومية لأفراد المجتمع ، واغلب هذه المتغيرات لا تتوافق مع اهواء ومزاجيات وثقافة هذه الفئة .
3 – عدم تقبل المجتمع لآراء كبار السن : البعض من كبار السن، لا يستطيع ان يقف مكتوف اليدين امام التغييرات التي تمر بها قيم المجتمع، لذلك يبدأ باللوم والانتقاد، ومعاتبة الاجيال الحالية على كل ما يصدر منها، وكأنهم يريدون ان يصلحوا ما يرونه قد فسد، او انهم يسعون لإيقاف حركة الحياة وجعل الدنيا تكف عن الدوران والتغيير. هذا الموقف، وهذه النظرة التي يشاهدون من خلالها المجتمع من حولهم، قد ادى الى نفور بعض ابناء المجتمع منهم.امام النقاط اعلاه، صار كبار السن او لنقل البعض منهم، يشعر بانه خارج الحياة او على الاقل خارج منظومة المجتمع الجديدة، فهو غير قادر على ان ينسى ما تنشئ عليه، وما تعلمه وزرع في مخيلته من الماضي، وليس بمقدوره ان ينسجم مع الحاضر . هذه الغربة لها اثار كبيرة على كبار السن.ولن تزول معاناتهم حتى يصعد جيل جديد في مكانهم، بمعنى ان تقدم الزمن ودورانه، هو الوحيد القادر على التغيير، فبعد عشرات السنين لن يبقى في العراق احدا من الاجيال التي عاشت في مرحلة ما قبل عام 2003، وبالتالي ستكون الاجيال منسجمة لأنها عاشت ظروفا موحدة.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة