عرف صاحبنا الاعتدال في الدين، وفي الفكر، وفي العلاقات الاجتماعية . لكن ان يكون الحب معتدلا، فهذا امر جديد وغريب لم يسمع به من قبل . فقد وجده مطلبا من مطالب حبيبته التي هام بحبها وصارت روحه مرتبطة بالزواج منها والامتزاج بروحها. وشرط الاعتدال في الحب، له نقاط متعددة ينبغي ان يلتزم بها، وان لا يخالفها، والا سيطرد من رحمة الحبيب. ومن نقاط الاعتدال، ان يكون التغزل محدودا، وان يتجاوز حد التعبير عن اعجابه بعيونها الساحرة الجميلة. وعندما تحدث الخروقات وتخالف قواعد الاعتدال، فأن العقوبات تكون جاهزة، وقد ترتفع الى حد الزعل، عندما لا يكون اللوم والعتاب مجديا. لقد حاول ان يخفف من الاعتدال او ان يجعله ضمن اوقات محددة، وحجته في ذلك، ان للحبيب سمات ولا خصائل تفوق الخيال ، ولا يمكن السكون عنها او تجاوزها ، او حتى الالمام بها او الانتهاء من وصفها . لكن حتى حجته المقنعة هذه لم تلين قلب حبيبته، التي ازدادت موادها القانونية الصارمة حدة وتشددا. واخيرا، لم يجد اخونا الا ان يستسلم ويخضع للأمر الواقع، مادام الاعتدال هو الطريق الوحيد الامن للبوح بمشاعره واحاسيسه تجاه الحبيب . فصار الغزل نائما باردا باهتا، ليس له طعم لذيذ وليس له مفعول قوي، وليس فيه رائحة عطرة تفاده تزكم القلوب كما كان من قبل . بل هي كلمات يقولها تفعل لجان تفتيش الحبيبة فيها ما تفعل. بقي الحال هكذا اياما واسابيع، حتى بدأت تأثيرات الغزل البارد، تؤرق بال الحبيبة، ولا تشفي او تشبع قليلها ، وهنا صارت الامور اخطر، فلا هي القادرة على تغيير قواعدها الصارمة التي اعتاد عليها حبيبها، ولا هي القادرة على الاكتفاء بفتات الغزل. هنا عرفت الحبيبة، ان الاعتدال لا يمكن ان يطبق في كل الامور، لان التطرف احيانا هو اعلى درجات النشوة والفرح، وكان لا بد لها ان تجد فكرة ذكية تبعث الروح للغزل من جديد، فتذكرت ان العيون هي الوحيدة التي كانت خارج نطاق الاعتدال، وان السماح للغزل ان يطال اماكن اخرى من خارطة الجمال، سيكون هو المخرج من ازمة الغزل. وهكذا اطلق العنان للحبيب وصارت كلماته العنيفة الحارة تمطر الخدود، والاصابع، ومعالم الجمال الاخرى، ومضى الحب متطرفا عنيفا لا اعتدال فيه ، لا، الاعتدال يقتل الحب ويجعله شجرة ميتة لا الوان ولا اغصان ولا اوراق ولا ورود.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة