التقليد والإبداع…، التقليد هو ان يسير الانسان على خطى من سبقه. اي ان يجد طريقا معينا يسلكه . اما الابداع فهو ان يعبد الانسان طريقا خاصا به يوصله الى غاياته السامية ، وان يعيش حياته بشخصية مستقلة كونتها السنين والتجارب المتراكمة . الا ان التقليد قد يكون مفيدا في بعض الأحيان، بالأخص في البداية ، بداية كل عمل وكل تجربة ، لكن بشرط أن لا تستمر حتى لا يخسر الانسان ذاته ويذوب في ذوات الآخرين. ومن جهة ثانية هناك فرق كبير ما بين التقليد والتعلم والاستفادة من تجارب الآخرين؛ والاستماع لهم والأخذ بنصائحهم وتوصياتهم ، إذ أن الاستفادة من الغير ليس عيبا ، بل العيب هو ان يسلم الانسان نفسه لغيره. شيء آخر يدخل في هذا الموضوع ، الا وهو نوع التقليد وطريقته ، هل هو تقليد مدروس ومفيد ام انه تقليد أعمى، بحيث يتبع الانسان غيره من دون تفكر او تدبر او تمحيص أو قياس . وقد لا يكون التقليد محصورا بالفرد وحده، بل قد يكون المجتمع كله مقلدا لغيره وسائرا خلف المجتمعات الأخرى، واحيانا تصاب الدولة او الأمة بأسرها بهذا المرض الخطير . فتتخلى عن شخصيتها وذاتها و كيانها وحتى هويتها الجمعية والوطنية لصالح الهويات الأخرى. واذا كان التقليد على الصعيد الفردي يصعب رصده ، وذلك لاختلاف الأفراد وظروفهم وزمانهم ومكانهم ، فإن التقليد على صعيد المجتمع والدولة يكاد ان يكون معروفا وواضحا للجميع ، وهو ان الدول غير المتقدمة تسير خلف الدول الأكثر تقدما منها، وهنا تأتي الدول العربية والإسلامية في مقدمة الدول التي تقوم بالتقليد الأعمى لغيرها ، ولا حاجة لبذل الجهود لإثبات هذه الحقيقة ، فمجرد السير في شوارعها ومدنها ، سيكتشف الفرد حجم التقليد، السيارات الابنية العلامات او الرموز والدلائل كلها قادمة من الخارج ، الأنظمة السياسية ، الأنظمة الاقتصادية …اما عن الاسباب التي دفع الفرد او الامة لتقليد غيرهم، فهي كثيرة لكنها في الغالب تتعلق بعامل فقدان الثقة بالنفس، والاعجاب بالغير وتفضيلهم على الذات . فضلا عن التقدم الذي يبلغه الغير فيثير الاعجاب والانتباه. والفرد او الامة التي لا تجد ذاتها ولا تقدر ان تميز نفسها عن غيرها ، لن يكون او تكون كاملة السيادة والاستقلال ، بل ستبقى اسيرة ارادة الغير ورغباتهم.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة