تقسم حياة الانسان الى طفولة وشباب وشيخوخة وفناء . يمر من حال الى حال ، ضعف ثم قوة ثم ضعف ثم انتهاء. هذه نعرفها جميعا ، لكننا نتجاهلها ونحاول ان ننساها ، لأننا نخشى تقبلها، تقبل ان ننتهي ونصبح بلا اهمية وبلا معنى. كلمة متقاعد بحد ذاتها تبعث على اليأس، وكأنها تخبر الإنسان بأن زمان الشباب قد ولى وفات، وانه لم يعد بتلك القوة القديمة وبالتالي قد اقترب من النهاية المحتومة. هذا الخبر قد يضر بالإنسان بالأخص في بداياته، ويجعله يشعر بالحزن واللا جدوى، لأنه سيعتاد عليه لاحقا. وقد يختلف وقعه من شخص الى اخر، فأولك الذين اعتادوا على العزلة والابتعاد عن الاخرين قد يستقبلونه برحابة صدر وسعة، اما اولئك الذين كانت تسلط عليهم الاضواء، وكانوا يعتقدون انهم مهمين في الحياة فسيشعرون حتما بالاستغراب، عندما ينساهم الناس ويتجاهلونهم، ويصبحون من الماضي. والامر هنا نسبي ويختلف من شخص الى اخر، ولعل ان العمل الذي كان يمارسه ذلك الشخص هو الفيصل، على سبيل المثال لو دخل شخصان الى (مول) محل للتسوق، احدهم كان يعمل مديرا عاما او انه تولى منصبا سياسيا مهما، والثاني كان فنانا قبل ان يعتزل، سنجد بأن الناس ستتجمع حول الفنان المعتزل وتتجاهل او انها لن تتعرف على السياسي القديم، والسبب ان الفن لا يموت بينما المهن الاخرى سرعان ما تندثر وتنسى. والنظرة الى المتقاعد هي الاخرى تختلف من امة الى اخرى، فالدولة المتقدمة تنظر اليهم على انهم في قمة النضوج والامتلاء العقلي والثقافي والفكري، وبالتالي لا بد لهم من استثمار هذا الكنز، لذلك نراهم يوظفونهم من جديد في مراكز الابحاث حتى يتم افراغ محتوى عقولهم بالكامل، فهم تاريخ يمشي على الارض وهم تجربة كلها دروس وعبر، وهم كنز من المعلومات. اما في الدولة غير المتقدمة فأنها لا تضع خططا للاستفادة من عقولهم، بل تطلق سراحهم وتترك لهم حرية الحياة بعيدا عن المسؤوليات الرسمية. والمتقاعد نفسه هو من يحدد مستقبله بعد التقاعد، يقدر على استثمار خبراته وتجاربه، كما انه قادر على ان يتجاهلها ويغوص عميقا في عالم النسيان. وبعض المتقاعدين يخصص له مبالغ يدخرها طوال عمره، حتى اذا جاء وقت التقاعد راح يصرفها من اجل ان يكون سعيدا، يسافر ويأكل ما يشتهي ، ويفعل كل الاشياء التي لم يستطع فعلها في مراحل عمره السابقة، ولعل هذه الحالة موجودة فقط في الدول التي قلنا عنها انها متقدمة. تبقى مسألة القناعة والايمان بالله تعالى هي الفيصل الاكبر في سعادة الانسان وشقائه سواء قبل ام بعد التقاعد.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة