صار الفيس بوك واقع حال، لا مجال لمقاومته او الهروب منه، سواء في العالم المتقدم ام غير المتقدم . حتى مسألة استخدامه، هي الأخرى صارت من السهولة بحيث لا تعصى على الاطفال الصغار. الشيء المهم الذي وفرته هذه الوسيلة، هو اتاحة الفرصة لكل فرد لكي يعرض شخصيته بالطريقة التي يراها مناسبة . والتي هي ليست بالضرورة الشخصية الحقيقية او الواقعية ، بل قد تكون وهمية يحاول اقناع الناس بها، وقبل كل ذلك يقنع نفسه اولا . والاسباب التي تجعل فردا ما يعرف نفسه في العالم الافتراضي، بصورة مغايرة عن شخصيته الحقيقية كثيرة ، ومن اهمها :
1 – سد نواقص الشخصية الحقيقية : الكثير من الافراد يعانون من مشاكل نفسية، نتيجة التراكمات الحياتية، هذه المشاكل صارت اشبه بالنواقص التي يشعرون بها . ويمنون انفسهم لسدها والتخلص منها بأية وسيلة، ولصعوبة فعل ذلك في الحياة الاعتيادية، فأن الفيس بوك يوفر هذه الامكانية وبطريقة سهلة قد لا يلاحظها احد ، فمن كان يشعر بالخوف نجده يعرض نفسه بصورة الشجاع الذي لا يهاب، ومن كان مكتئبا، نراه يظهر وكأنه الاكثر مرحا وسرورا في الكون . وهكذا، كل واحد منا يهرب من شخصيته الى شخصية جديدة يسد عبرها الثغرات التي يعاني منها.
2 – تقمص شخصية يطمح للوصول اليها : الكثير من الافراد، كانت لهم طموحات متعددة، ومنها ان تكون لهم شخصيات متميزة في الحياة، مثل ان يكونوا قادة، او محللين سياسيين، او كتاب مشهورين ، او أي سمة اخرى لم يقدروا على تحقيقها . وبالتالي فأن عالم التواصل الاجتماعي يعتبر مناسبا لهم، لكي يتقمصوا هذه الشخصيات ويحققوها حتى لو افتراضيا، بعد ان عجزوا عن تحقيقها واقعيا. وهذا ما يفسر لنا كثرة المحللين والكتاب، والشعراء ، او لنقل من يدعي التحليل والكتابة والشعر.
3 – الانسجام مع العقل الجمعي الافتراضي : الفيس بوك هو السوق الذي تعرض فيه مختلف البضائع، واصحاب الصفحات هم المتبضعون، كل يشتري حاجته . الا ان هذا السوق له مزاج جماعي، احيانا يركز على منشورات معينة دون غيرها، لا يمكن تحديد الاسباب التي تدفعه لهذا التكتل ، فقد تكون المادة المنشورة تافهة وخالية من الفائدة، لكنها تحصل على قبول كبير، وقد تكون مفيدة وعلمية ورصينة، لكنها لا تحظى بالرواج والقبول المفترض، على هذا الاساس قد يضطر البعض الى الانسجام مع المزاج العام طمعا في الحصول على الرواج ، او ما يسمى في العراق بــ (الطشة) ، التي لا تأتي بالسهولة. اذن، الفيس بوك بالرغم من سلبياته الكثيرة، الا انه شكل متنفسا، ونافذة للبعض منا للهرب من الواقع الذي قد نكون قد اجبرنا عليه، أي الهرب من قدرنا.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة