ما ان تتجول في شوارع اي مدينة عربية، او تفتح صفحتك على وسائل التواصل الاجتماعي، او تشاهد برامج التلفاز، حتى تستمع الى الكثير من العبارات التي تحن للماضي (كنا قبل افضل)، (راح الزمن الجميل)، (ليتنا بقيا على الانظمة السابقة)، (تغيرت الدنيا نحو الاسوأ)، وغيرها من الكلمات الدالة على ان الماضي هو الافضل. هذه السمة تكاد ان تكون عامة في كل الدول العربية، بل والاسلامية ايضا، وهي الحنين الى القديم ونبذ الجديد وازدراءه، والرغبة بالرجوع الى الوراء، وعند البحث فيها وتمحيصها سنجد بأنها تتكرر مع كل جيل. اي ان الجيل الحالي يحن للذي سبقه، والذي سبقه يحن الى الاسبق، وهكذا. اما عن الاسباب التي تكمن خلف مثل هكذا تفكير، فمن الممكن رده الى جملة من الاسباب، ولعل من اهمها الآتي:
1 – الحاضر ليس نتاج الماضي: لم تنجح النخب العربية – الاسلامية، وبالأخص السياسية منها في ان تنفذ برامجها التي عبرت عنها في ادبياتها الحزبية والفكرية. وبالتالي لم يكن الحاضر هو نتاج لعملها، بل اكثر الظروف الانية لا تمت للماضي بصلة، وجاءت عكس التيارات الا الارادات العربية الرسمية والشعبية.
2 – الحاضر ارتبط بتقدم العمر: الاجيال التي تكره الحاضر وتحن للماضي، هي تحن لشبابها وايام طفولتها وصباها. فمن الطبيعي ان تكون فترة الطفولة والصبا والشباب هي اكثر راحة من فترة الشيخوخة التي يفقد الانسان فيها الكثير من طاقته وشكله وبريقه.
3 – الحاضر اسوأ من الماضي: وربما ان الحنين الى الماضي هو نتيجة طبيعية ومنطقية، كون الحاضر غير سعيد والمستقبل مجهول، وبالتالي يكون الماضي افضل، وهو تفسير يلاقي الكثير من الصحة عندما نقارن الزمنين: الماضي والحاضر.
4 – الماضي ارتبط بالرسالة النبوية: ارتبط الماضي بأهم حدث عرفه العرب والمسلمين، الا وهو الرسالة النبوية، التي بلغها النبي محمد (ص) واله واصحابه. ولمنزلة ذلك الجيل في قلب كل مسلم، صار العرب يتمنون الرجوع اليه او على الاقل الاكثار من ذكر الماضي الذي كانوا فيه .
5 – التقدم التقني وتراجع الانسانية: شيء اخر يغفله الكثيرون، وهو ان الفطرة متلازمة مع الانسانية، وكلما ابتعد الانسان عن فطرته كلما قلت انسانيته. وبما ان البشرية تعيش في اعلى درجات التقدم التقني – التكنلوجي، فقد ابتعدت عن جذرها الفطري، والنتيجة الابتعاد عن الانسانية. كثر الظلم وكثرت انتهاكات حقوق الانسان، فصار الفرد يتمنى ان يرجع الى الماضي السليم ليعيش فطرته بعيدا عن ضجيج المخترعات والسلبيات التي ترافقت معها.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة