شامل عبدالقادر
كاتب عراقي
● اعتذر لقرائي الاعزاء عن توقفي لأكثر من شهرين عن الكتابة هنا في هذه المساحة المخصصة لي لأسباب صحية، وكنا نعرف ان امراض الزكام والنشلة والقحة والبلعوم هي خاصة بموسم الشتاء لكنها تحولت الى الصيف حالها حال الخضر والفواكه الشتوية التي اخذنا تناولها مع موسم الصيف والعكس هو صحيح ايضا!.
● اعتدنا ان نقرا امهات الكتب والروايات والقصص والبحوث طوال فصول السنة الاربعة حيث يقف الشباب – وكنا في عمر الشباب – كالسد العالي ضد الحر والبرد والعواصف والمطر واذكر وانا طالب في الكلية انهيت قراءة (المسيح يصلب من جديد) و(عناقيد الغضب) لجون شتاينبك و(الشمس تشرق ايضا) لهمنغواي في شهر واحد هو تموز اللهاب تحت هواء المروحة السقفية!.
● وعندما كبرنا قليلا كانت روايات الجيب والهلال وارسين لوبين واجاثا كريستي وغيرها من الروايات والقصص البوليسية السريعة زادنا في ايام حزيران نتمتع مع تحقيقات المفتش البريطاني الذي اخترعه كريستي للتسلية!.
● وعندما بدا شق الاسس لبناء البيوت الشعبية والكبيرة في ان واحد في بغداد وبقية محافظات العراق في عهد الزعيم عبدالكريم قاسم اختفت الاف الاشجار من اراضي العاصمة لكن الزعيم زرع في مكان الاشجار المقطوعة الرؤوس والجذوع الافا جديدة من اشجار اليوكالبتوس الخضراء الباسقة لحماية بغداد من العواصف الترابية وما اقلها ايامذاك!. لقد عرفنا وقتذاك لأول مرة تسمية (الحزام الاخضر)!.
● وعندما تم ترحيل العهد الملكي بالرصاص وحمامات الدماء بطريقة غير شريفة كان الملوك الثلاثة والحكومات الخمسين قد خلفوا لنا عشرات البساتين المثمرة والافا من البيوت المرصوفة بالطابوق الفرشي البارد الذي كنا نستلقي فوقه براحة تامة بعد ان يبلل البرد اجسادنا!.
● وعندما كنا نستعمل المراوح اليديوية من خوص النخل وبرادات مصنوعة من الخشب والجينكو لحفظ الماء باردا واللحوم لكي لا تتعفن كنا سعداء جدا بهذا الترف غير المصطنع في ايام صيف بغداد اللاهب!.
● كان صيف بغداد يسمى صيف الفقراء حيث الاسعار المتدنية للرقي والبطيخ والخيار وكلها في متناول ايدي الفقراء وكان باعة الرقي والبطيخ يسهرون حتى ساعات متأخرة من الليل في موسم الصيف ولا يترددون عن اهداء من يطلب كوشر من الرقي او البطيخ لوجه الله عندما كانت هناك ضمائر حية وخوف من الله!.
● وعندما يشتد الحر يهرع سكان بغداد الى الشواطئ ونهر دجلة والجراديغ يغمسون اجسادهم في عمق المياه ويبللونها بمويجات دجلة الصافية.. كان الصيف عدوا للمثقفين اذ يحولهم الى كتلة من الاعصاب الهائجة ولم يكن امامهم الا السفر الى بيروت ومصائف لبنان او القاهرة وبعضهم ينطلق الى سرجنار وسرسنك!.
● وعندما تهب الرياح الغربية المنعشة الباردة نهرع مع ابائنا وامهاتنا الى السطح حيث (القريولات) والفرش النظيفة والكلل البيض وننام كسكارى وما نحن بسكارى ولكن تحت تأثير الهوا الغربي البارد وحتى كانت احلامنا بالفعل سعيدة وبريئة وما كنا نعرف الكوابيس المخيفة في منامنا فوق السطوح في اشهر حزيران وتموز وآب!.
● وعندما كبرنا هربت منا ذكرياتنا السعيدة وحياتنا البسيطة الهادئة وهربت معها نسمات برد بغداد في ليالي الصيف وانقلع الفرشي وطارت كواشر الرقي والبطيخ فوق رؤوسنا وقفلت الابواب المؤدية للسطوح بعد ان تحول ليل بغداد الى ميدان رمي بالرصاص الحي واختفى الجرخجية من درابين العاصمة وحلت محلها جيوش سرية صغيرة مرعبة وحسبي الله ونعم الوكيل!.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة