ان حاصل تصورات الافراد، واعتقاداتهم حول امور الحياة المختلفة، يولد رأيا عاما جمعيا. ومع مرور الزمن وتعاقب الاجيال وتراكم التجارب والعبر، يصير هذا التصور والرأي بما يشبه القواعد غير المكتوبة، الكل يعرفها ويشعر بها، ويحفظها عن ظهر قلب، دون ان يقرأها او يكتبها. هذه الاعراف تسمى بالمزاج العام. المجتمعات المتماسكة التي تعيش استقرارا داخليا، وسلاما وامنا، ستدافع عن ذائقتها العامة، وتقف بوجه اي جهة تحاول المساس بها او تخربها، سواء اكانت هذه الجهة فردا ام مجموعة، ام منظمة ام دولة . وغالبا ما تتم عملية الدفاع عن المزاج العام، عبر ردة فعل عكسية يصدرها المجتمع تجاه الجهة المهاجمة، ردة فعل قد تكون مساوية لها في القوة او اقوى منها بكثير، تصل احيانا الى حد التطرف. اما المهاجم، وهو يسعى لتغيير المزاج العام وهدمه، فليس امامه الا ان يستخدم المعول المادي والمعنوي، فقد تكون الحرب والاحتلال وما يرافقهما من اعمال عنف، وسيلة في هذا الاتجاه. اما المعول المعنوي او الناعم، فهو الاخطر والاشد فتكا، على اعتبار ان الاول يكون ظاهريا ومعلنا، اما الثاني فهو مخفي وبطيء الحركة بحيث لا يثير الريبة ولا الشك، وقد تنفذ برامجه دون ان نشعر، فنكون نحن جزء من وسيلة تخريب اذواقنا وتدميرها. ان ضرب المزاج العام في العراق، من الممكن ملاحظتها وتلمسها، في العديد من المشاهد اليومية، مثل:
1 – الملابس المثيرة للتعجب والاشمئزاز، والتي يرتديها بعض الشباب والمراهقين، البناطيل الممزقة، والحلقات المعدنية حول الرقبة، والحلي التي تعلق في الاذن او على الشفاه. فضلا عن الاصباغ وكحل العين. وهي اشياء لم يتعود العراقيين ان يروها من قبل.
2 – تحطيم الرمز، فلكل مجتمع قدوة ورموز، سواء في الميدان السياسي ام الثقافي ام الديني ام التربوي. لكن يلاحظ في السنوات الاخيرة ان هؤلاء الرموز تم التهجم عليهم، والتقليل من شأنهم، بينما كانوا في فترة من الفترات يحتلون مكان الصدارة في وجدان الناس، وهناك اجماع على احترامهم وتبجيلهم.
3 – من علامات خراب المزاج العام وتدنيه، هو خراب الذائقة الفنية لأمة من الأمم. واجراء مقارنة سمعية ما بين الاغنية العراقية في فترة السبعينيات والمرحلة الحالية، كافية كي نقول بأن الذائقة الفنية للمجتمع العراقي، قد خربت وخرجت عن الخط المستقيم الذي كانت تسير عليه. لكن في هذا الميدان لا بد ان نذكر، بأن ليس كل خراب في المزاج العام هو عملية مقصودة او هي مؤامرة خارجية، فقد تكون التطورات العلمية والتقنية، وتعاقب الاجيال واختلاف انظمتها السياسية والاجتماعية والثقافية، هي الداينمو الذي تمت عبره عملية التغيير، وقد تكون عملية التغيير هي جزء من تغيير عالمي في ذائقة الانسان.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة