منذ ان يخلق الانسان وهو يهرب من المخاطر التي تواجهه ، بالأخص عندما تكون اقوى واكبر من طاقته، هرب من النار الى الماء ومن الليل الى النهار، ومن الامطار الى الجحور والبنايات. وغريزة الهروب تظل تعشعش في ذاته الى الابد . اما موضوعنا في هذه المقالة فهو من نوع اخر ، فنحن نتحدث عن الهرب من العالم الطبيعي الى كهف العالم الجديد او ما يسمى بالافتراضي. حيث يعج العالم الافتراضي بالمواد المسموعة والمكتوبة التي يشتكي فيها الناس من واقعهم المؤلم، وهم يختلفون في طريقة الشكوى، بعضهم يتحدث بصورة غير مباشرة، فاذا عجز عن الكتابة او الكلام نراه يذهب إلى ما يتطابق مع مشاعره، اذا وجد اية قرآنية تحاكي همومه سرعان ما يلصقها في صفحة الفيس او التويتر او التلكرام الخاصة، وإذا عثر في صفحة صديق حكمة او عبارة مؤثرة أيضا نقلها الى صفحاته معتبرا اياها وصفا دقيقا لما يشعر به. وهناك من هو اشجع وأكثر صراحة وأكثر مقدرة في قول ما يعانيه من ظروف الحياة، فهو لا يتوانى عن النطق بما يعانيه ونشره بكل قوة وصراحة، فينتقد مديره في العمل او زملاءه او أصدقائه وحتى أقاربه. ونستطيع ان نفول بأن النسبة الأكبر من المواد المنشورة تعبر عن ما يشعر به اصحابها، وان كان اسلوبها ومنطوقها بعيدا عنهم. وهنا يأتي التساؤل لماذا يلجأ الانسان الى هذه الطريقة ؟ او بالأحرى لماذا لا يبوح بهمومه دون العالم الافتراضي؟ حتما سيكون الجواب بأنه قد يتضرر من قول الحقيقة ، وفرصة التمويه والتورية تكون أكبر. لكن ماذا عن أحوال المجتمع في مرحلة ما قبل ظهور الأنترنت ومواقع وصفحات التواصل؟ كيف كانوا يبوحون بالهموم ؟ هنا نحن أمام اجابتين ، اما ان نقول ان الحياة كانت اقل تعقيدا ولم يكن الانسان يحتاج إلى ما يعبر به عن معاناته وأما ان نقول بأن الكبت كان سيدا للموقف. بحيث خزنت الالام والأحزان في النفوس، والدليل ان بعض شكاوى الأفراد تتعلق بمواقف وامور صادفتهم منذ زمن بعيد يرجع إلى مرحلة ما قبل الانترنيت. بقي ان نذكر أيضا، ان الهروب قد يكون عكسيا ، بمعنى ان الفرد الذي يتعرض للاعتداء او الإهانة او التجريح في العالم الافتراضي، سرعان ما يرجع إلى العالم الواقعي ويبث همومه واهاته فيه . وهذا ان دل على شيء فهو بمثابة الاشارة الواضحة على ان العالمين الحقيقي والافتراضي لا يخلوان مما يعكر جو الانسان ومزاجه ، ولربما ان اللجوء المستمر الى العالم الافتراضي سيقلب الموازين في المستقبل ، بحيث يصير هو الحقيقي ويصبح عالمنا الذي نتحرك فيه عالما وهميا افتراضيا، لأننا غادرناه الى الأبد.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة