صلاح الحسن
روى لنا الأستاذ الدكتور (جميل حامد الدليمي) عن الأستاذ هادي جلو مرعي عن الحديث يجري عن الصراع في أوكرانيا، والحرب بالوكالة، ومحاولات كسر الإرادات، والرغبة في استنزاف الخصوم، والصمود في وجه العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، وما على الأوكران أن يفعلوه، وما على الغرب أن يقدم لكييف لكي تستمر في المعركة، وكان بعض الحديث عن الديمقراطية الغربية التي تحتاج الى التمهل في اتخاذ القرارات الحاسمة، وطبيعة الخلافات الأوربية حول دعم أوكرانيا، والموقف من روسيا، والتباين في وجهات النظر بين الحلفاء، وكان مهما التطرق الى الكيفية التي تتخذ فيها القرارات حيث تنبه البعض الى إن روسيا لا تحفل بنظام ديمقراطي، ولا يحكمها الدستور الموافق للنظام الغربي، ولا يوجد إرادة شعبية في مواجهة إرادة الرئيس فلاديمير بوتين، لكن العامل الأهم في كل ذلك هو طريقة الإدارة، فالديمقراطية تعني المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، وتحديد شكل نظام الحكم، ومع عدم توفر ذلك للشعب الروسي فإن المتوقع منه التململ، ورفض السياسات التي يتبعها الكرملين. ما حصل أن العقوبات الغربية لم تثن الرئيس بوتين عن عزمه في مواصلة الحرب، فهو يحتفظ بأهم مقومات استمرار الحياة، والقناعة لدى العامة، وهي الطاقة (البترول والغاز) والأرض الخصبة والمياه ما يوفر كميات هائلة من المحاصيل الزراعية، وصحيح أن ذلك لوحده لا يقنع تماما أي شعب من الشعوب، بينما تكبر المطامح وتتأجج، في حين إن ما يحصل في روسيا هو نظام غير ديمقراطي، لكنه يحقق مستوى من الرفاهية لشعبه الذي يعيش في ظروف يفتقد لمثيلاتها شعوب في بلدان عدة في العالم، وحيث حصن بوتين خزانته بالذهب والعملات الأجنبية، وبمستويات قياسية، فإنه يمضي باتخاذ القرارات دون الرجوع الى الشعب، ولا أحد يجزم بأن القرارات التي تتخذ في العواصم الغربية، وفي واشنطن تعتمد رأي الشعب حيث وجدنا إن الحكومات تلك تتخذ قرارات صعبة، وتغير في سياساتها المتبعة لضمان تحقيق مكاسب في ساحة المواجهة مع روسيا دون أن تنتظر رأيا يصدر عن العامة من المواطنين الذين لا يخفون تذمرهم من بعض إجراءات التقشف، وارتفاع أسعار الغاز والكهرباء والبنزين. وإذن في الحروب لا تعود الديمقراطية هي الفيصل في القناعة التي تتوفر لدى الشعب، وقد تكون الرفاهية بديلا عن الديمقراطية، إذ يرى البعض إن الرفاهية في العيش تمنع الناس من طرح الأسئلة، والاحتجاج بعد ضمان متطلبات الحياة، وتحول فئات اجتماعية الى فئات مستقرة لا تسأل السلطات كثيرا عن قراراتها ومواقفها طالما ضمنت العيش المستقر، ووفرت الخدمات العامة. في بلدان عدة توفرت الرفاهية، وحققت نجاحا كبيرا في توطيد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، حيث لم يعد الناس بحاجة الى طرح الاسئلة، أو التدخل في شؤون السياسة طالما توفرت لديهم الحاجات الضرورية، وتجاوزوها الى رفاهية ضمنها لهم النظام الحاكم، وهناك أنموذجان مهمان معبران عن الرفاهية والديمقراطية، يقابلهما نظام لا هو ديمقراطي، ولا هو ضامن للرفاهية، ويطبعه عدم الاستقرار والفوضى والتخبط نتيجة عوامل عدة، أبرزها الفساد والتحزب والطائفية والضغائن والمنافسة غير المتزنة، والتسابق على تحقيق المكاسب، وضعف سلطة الدولة وعدم إنفاذ القانون ومحاسبة منتهكي حرمة النظام والدولة، ووجود قوى فاعلة لا تؤمن بالديمقراطية، ولا برفاهية المجتمع، بل تركز على رفاهيتها لوحدها، وضمان دوام الحكم والهيمنة على الشعب المغلوب على أمره. الأفضل من ذلك كله هو توفر عاملي الرفاهية والديمقراطية لضمان قيام دولة ومؤسسات تستند الى الشراكة في صناعة القرار، وتضمن حقوق الأقليات والفئات المستضعفة، والاعتماد على تطبيق القوانين على الجميع، وعدم المحاباة، أو تغليب مصالح الأغنياء على الفقراء، والتركيز على توفير متطلبات الحياة الكريمة للمواطنين دون تمييز بينهم على أساس العرق، أو اللون، أو الدين.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة