د. سعدي الابراهيم
في المقال السابق انهينا حديثنا حول خطورة استيراد الافكار الجاهزة خاصة السياسية منها على استقرار بلادنا، وكنا قد ذيلناه بالسؤال الاتي: هل يساعد استيراد الفكر العربي القومي العراق في الحفاظ على وحدته الوطنية؟ ام انه سيؤدي الى العكس؟ لا نحتاج للإجابة على مثل هذه التساؤلات الى الكثير من التفكير، لأن السنين التي اعقبت عقد الثلاثينيات من القرن الماضي، وحتى عام 2003، قد اجابت عنه وبشكل مفصل تقريبا. فمناداة العرب بالقومية العربية، قد دفع الاكراد العراقيين لفعل الشيء نفسه، وكلما زاد العرب من تمسكهم بالفكر القومي المستورد والمنتج في مصر (جمال عبد الناصر)، وسوريا (ميشيل عفلق)، كلما تمسك الاكراد ايضا بفكرهم القومي، وبالتالي استمر الحال هكذا، بل لقد دخل الطرفان في حرب طاحنة ومتكررة (نقصد بين السلطة في بغداد والاحزاب الكردية وليس بين ابناء الشعب الواحد) ذهب ضحيتها آلاف الابرياء والضحايا، واهدرت في سبيلها ايضا ثروات طائلة وهائلة من ثروات البلاد. اما السلطة بعد ثورة 14 تموز 1958 فقد اصبحت المكان الذي تسكب فيه الدماء بين فريقين متصارعين، الأول يريد تأجيل الاخذ بالفكر العراقوي (الامة العراقية والعراق اولا) والثاني يريد تطبيق الفكر العروبي – القومي، وفي النهاية لم يطبق أي من الاثنان. اما بعد 2003 ، فأن الحال قد اصبح أسوأ من ذي قبل، اذ لجأت القوى السياسية العراقية مرة اخرى الى الفكر السياسي الجاهز، وعجزت عن انتاج فكرة جديدة، تلائم مستجدات وتطورت المرحلة، لأن الركون الى الدين والى المذهب والطائفة، ومحاولة اخضاع تعاليمها للواقع الذي لا يتقبلها كان قد اتعب العراق. فإلى متى يبقى العراقيين اسارى للفكر السياسي المستورد؟، وهل عجزت عقولهم عن انتاج نظرية سياسية تكون اكثر انسجاما مع واقعهم الخاص؟. هنا لا بد من ان تشرع القوى السياسية العراقية وكذلك النخب المتعلمة والمثقفة الى التشجيع على انتاج الافكار الوطنية ذات الجلبة السياسية، حتى اعترض البعض وقال بان البشرية غادرت عصر الايدلوجيا، لكننا كواقع الحال نحتاج الى ذلك، أي نحتاج الى فكر يكون نابعا من بيئة وظروف بلادنا، وان يكون معبئا بالأمل والتخطيط للمستقبل، وفي الوقت عينه يضمد جراح الماضي ويركز على المشتركات ويشحذ الهمم ويوحد الصفوف. وقد تكون الفترة المعاصرة او الحالية هي المناسبة للبدء بمثل هكذا مشروع.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة