د. سعدي الابراهيم
إن اية قراءة لتاريخ العراق تشير الى ان هذا الشعب كان كثير العطاء ، خاصة في الفترة التي ترجع الى عهود الحضارات العراقية القديمة ، والشواهد على ذلك كثيرة ، واوضحها واكثرها دلالة هو وجود ما يشبه الاجماع على ان العراقيين الاوائل قد اخترعوا الكتابة التي انتقلت الى كل بقاع العالم وارجائه ، هذا الحديث ليس انشاء ولا هو وطنية عابرة بل هي نتائج دراسات قام بها المستشرقون وعلماء الاثار. الا ان تلك المرحلة الذهبية من الابداع والاختراع توقفت تقريبا في الالف سنة الماضية ، واستمر الانسان العراقي يتراجع ابداعيا شيئا فشيئا ، امام نهضة وثورة الابداع في الامم الاخرى ، حتى وصل الى ادنى المستويات في القرن العشرين . قد لا يحبذ البعض من العراقيين هذا الكلام ، وقد يمزق بعضهم الصفحة او على الاقل يقلبها ، لكن لا يهمنا ذلك فنحن نوجه كلامنا لأصحاب العقول مهما كانت درجة ادراكهم واستيعابهم ، لأن اصحاب العقول سوف يطالبوننا بالدليل والبرهان الذي بدونه سيصبح كلامنا فعلا تجنيا ورجما بالغيب ، و لا نوجه كلامنا الى غيرهم . ولكي لا نخسر هؤلاء الذين قبلوا ان يقرأوا هذه الصفحة وطالبونا بالدليل المنطقي والعلمي على الكلام اعلاه ، نقول : منذ ان تأسست الدولة العراقية المعاصرة عام 1921 والعراق اصبح سوقا لاستيراد البضائع والمنتجات الفكرية القادمة من الأمم والشعوب الاخرى ، على العكس مما كان يفعله العراقيون سابقا عندما كانوا هم من يقوم بتصدير الانتاج الفكري الى الخارج ، او التفاعل مع ما ينتجه العقل الانساني في أماكن اخرى من العالم وهو ليس عيبا ، بل العيب هو ان يكون الفكر المستورد هو فكر يصلح تطبيقه في دول اخرى من العالم ولكنه غير صالح للتطبيق على الواقع العراقي . ومن امثلة ذلك هو استيراد الفكر العربي القومي من المنطقة العربية، ونقله على عواهنه الى العراق دون الالتفاف الى مخاطر القيام بمثل هذا الفعل ، فاذا كانت مصر والاردن وفلسطين تسود فيها القومية العربية ولا توجد فيها الا نسبة قليلة من القوميات الاخرى، فأن هذا الحال يختلف مع العراق الذي يتكون من عدة قوميات وان كانت القومية العربية تحتل المرتبة الاولى فيه. لقد عجز العقل العراقي في تلك الفترة عن الاتيان بفكر عراقي جديد او نظرية علمية – فكرية ، تنقذ العراق من مخاطر السير وراء الفكر المستورد، بل ان العقل العراقي عجز حتى عن ان يتقلب على عاطفته ويناقش بعلمية مثل هذا الموضوع مناقشة حقيقية من خلال محاولة الاجابة على تساؤل واحد وهو: هل يساعد استيراد الفكر العربي القومي العراق في الحفاظ على وحدته الوطنية ؟ ام انه سيؤدي الى العكس ؟
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة