(الجزء الثاني)
د. سعدي الابراهيم
ولكن من الامور التي اختلفت عن ذي قبل هو وجود توجه شبه عام نحو الدراسة بين الكثير من ابناء المجتمع ومن مختلف الاجيال ، خاصة تجاه الدراسات العليا ، والدراسات المسائية ، والاسباب التي تقف وراء ذلك كثيرة ، ومنها وجود اعداد كبيرة من الشباب الذين تركوا مقاعد الدراسة مجبرين في سنين الحصار ، وبقيت الدراسة تراودهم عن نفسها ، فما ان تحسنت احوال البعض منهم المعاشية بعد 2003 ، حتى عادوا مسرعين الى مقاعد الدراسة ، ومن الاسباب الاخرى ، هو تحسن حالة الموظف المادية في العراق جراء ارتفاع مرتبه مقارنة مع فترة ما قبل 2003 ، الامر الذي جعله قدوة في نظر من يريدون ان يحصلوا على نفس امتيازاته من الشباب من خلال الدراسة والشهادة والتعيين ، وفي الوقت نفسه فقد هيأت الحالة المادية للموظف ايضا امكانية العودة الى الدراسة وخاصة في الدراسات العليا. وعامل اخر فعل فعله في ذلك ايضا ، وتمثل في ان ورقة الخدمة العسكرية التي كان يستخدمها النظام السابق لدفع الطلاب نحو الدراسة كانت تتولد عنها ردودا عكسية ، أي يوجد كره ونفور للمدرسة التي هي بديل عن الخدمة العسكرية ، اما اليوم فبعد ان زالت الخدمة العسكرية اصبح الكثير من الشباب يتوجهون الى الدراسة بشكل عفوي وطوعي ، فيشعرون بأهميتها اكثر من ذي قبل. ولكن هذه الاسباب لا يمكن مقارنتها مع عامل البطالة والفراغ الذي يجبر الطلاب على العودة الى مقاعد الدراسة ، خاصة العليا منها والمسائية ، على اعتبار انها في كل الاحوال افضل من الجلوس في البيت. هذا التوجه المحموم للانخراط في الدراسة ، من الممكن ان تستغله الدولة لتنشئة الاجيال القادمة على القيم الوطنية والمجتمعية العصرية ، بحيث لا يطلب منهم ان يكونوا مثل اجدادهم ولا حتى مثل ابائهم ، بل المزاوجة بين القيم المستحدثة التي جلبها التطور الرقمي العالمي وبين الثوابت الثقافية والوطنية التي يجب الاعتزاز بها . وهذه التنشئة حتما انها تحتاج الى تطوير المناهج وزيادة قدرات وكفاءات الكوادر التدريسية ، والارادة السياسية والخطط الواضحة التي تحتاج الى دقة التنفيذ والمتابعة. وفي الوقت عينه يجب المحافظة على استقرار البلاد ، على اعتبار ان التعليم هو ابن البيئة المحيطة يتأثر ويؤثر فيها سلبا وايجابا ، وفي حال تحقق الاستقرار مع وجود السياسات العامة المدروسة فماهي الا سنوات وستظهر ثمار توظيف الاقبال العام على الدراسة في العراق على الواقع بحيث تتغير احوال البلاد نحو الافضل.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة