لقد دفعت دول اثمانا باهظة، من أمنها واستقرارها، بسبب تدخل الغرب في شؤونها، اما عسكريا كالغزو والحروب، واما اقتصاديا كالحصار والتجويع، واما سياسيا واعلاميا كالمقاطعة والعزل والشيطنة، والسبب ان هذه الدول لم “تحترم حرية التعبير” على الطريقة الغربية، والمقصود ان تكرر ما يقوله الغرب، حتى لو كان هذا القول والسلوك يهدد مصالح وامن واستقرار والنسيج الاجتماعي لهذه الدول. فالنفاق الغربي في التعامل مع قضية “حرية التعبير”، بات مكشوفا لشعوب العالم اجمع، رغم كل محاولات الغرب التغطية على قبحه ووقاحته. فالغرب ينتفض من اقصاه الى اقصاه، لو حاولت دولة ما منع تجمع للشاذين جنسيا، لحماية مجتمعها وعادتها وتقاليدها وشعبها، فنرى الغرب يجند كل امكانياته للضغط على هذه الدولة للرضوخ لإرادته وثقافته. اما اذا تم توقيف صحفي او مدون، لترويجه التطبيع مع الكيان الاسرائيلي او الالحاد او الانحلال الاخلاقي، فأول تهمة تلصق بهذه الدولة هي قمعها لـ “حرية التعبير”. واللافت ان هذا الغرب نراه في المقابل يبتلع لسانه، ويصاب بالخرس، عندما، يتم توقيف مدون او صحفي او مفكر او فيلسوف، في اي مكان في العالم ، يحمل افكارا لا تتفق مع الفكر والثقافة الغربية، فمثل هؤلاء الاشخاص، لن تجد في الغرب من يتعاطف معهم، حتى لو تم سجنهم او تعذيبهم او قتلهم، لانهم ببساطة، يغردون خارج السرب الغربي، الذي لا اثر للإنسانية والديمقراطية وحرية التعبير وحقوق الانسان هناك. كل هذه المقدمة، كان لابد منها لفهم لماذا تعامل الاعلام الغربي، بهذه الطريقة غير الانسانية وغير الاخلاقية، التي تعامل بها مع جريمة اغتيال المدون الروسي فلادلين تاتارسكي في مقهى في مدينة بطرسبرغ، لا لجريرة ارتكبها، سوى انه كان ينقل وقائع الحرب في اوكرانيا، كمواطن روسي سلاحه الكلمة فقط. كل هذا من منطق التعبير.. وبشاعة الجريمة ومنفذيها تتكشف عندما تم اختيار مقهى مزدحم بالرواد لتنفيذ الجريمة، فقد أظهرت المقاطع وكاميرا المراقبة قرب المقهى لحظة دخول المشتبه بها إلى المقهى وبحوزتها علبة قدمتها لتاتارسكي كإحدى متابعيه، وتحوي تمثالا محشوا بعبوة ناسفة انفجرت لاحقا، أدت لمقتله وإصابة 30 آخرين، 10 منهم بحالة خطيرة. والاعلام الغربي تناسى كذبته “حرية التعبير”، واخذ يبرر الجريمة بشكل في غاية الخسة والدناءة، كما حصل عندما برر، بذات الخسة، جريمة اغتيال، ابنة الفيلسوف الروسي، ألكسندر دوجين، الصحفية داريا دوجينا، عبر تفجير سيارة والدها التي كانت تقودها في اب / اغسطس عام 2022، وهي جريمة كان الهدف منها تصفية الاب وابنته، في آن واحد. فالأعلام الغربي لم يتعاطف مع دوجين وابنته، فحسب، بل اخذ يبرر الجريمة عبر التأكيد على ان الاب وابنته، كانا مقربين من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهي “تهمة” تستحق القتل من وجهة نظر “الاعلام الغربي الحر”!. ولكن من حقنا ان نسأل ماذا سيكون موقف الاعلام والصحافة في “العالم الغربي الديمقراطي”، لو وقعت مثل هذه الجرائم البشعة في واشنطن ولندن وباريس وكل القراءات تحقق لغة التعبير العالمي وقتل الرأي.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة