الجمعة , مايو 1 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / د. سعدي الابراهيم: النزعة الفردية

د. سعدي الابراهيم: النزعة الفردية

لم تكن الفردية موجودة عند ارسطو وافلاطون، لأن الفرد في نظرهم كان تابعا للمجتمع ، لكنها ظهرت عند السفسطائيين الذين نظروا الى الفرد نظرة مقدسة.. فعلى عدهم هو الافضل في الكون ولابد ان يحترم فرديته ويفرضها على الاخرين. وارتبط المنهج الفردي السفسطائي بعبارة (ان الانسان هو مقياس الاشياء) وهذه العبارة تفهم من خلال:

١. المقياس : حوار دار بين ارسطو وبروتاغراس وزينون ، تبين فيه ان الرياضيات رغم اهميتها الا انها لا تصلح لقياس الاشياء، بل العقل الانساني وحده القادر على القياس.

٢. الانسان : اختلفت المدارس الفلسفية في تفسير معنى كلمة الانسان ، حيث نظر اليه السفسطائيون على انها ترمز الى الانسان ذي المزاج الذاتي المغلق .. في حين ان ارسطو وافلاطون ينظرون اليها على انها تعني الفردية او الانسان الفرد .. اما (جومبرز) فيرى انها تعني النوع الانساني .. وقال عنها (فريمان) بانها تعني المعنى العام للبشر وليس الفرد.

٣. الوجود الظاهر.. ويعني :

– ان الانسان هو الكائن القادر على الشعور بالوجود وبدونه لن يتم الشعور.

– ان الحقيقة نسبية دوما ولا توجد حقيقة مطلقة.

– ان من يحدد الحقيقة النسبية هو الانسان . لان كلا منا يعتقد بصحة ما يعتقد. وبقي مفهوم الفردية يتطور، وعندما ظهرت الدولة اصبح لدينا معادلة (الفرد يقابل الدولة) ثم (الفرد يقابل النظام السياسي) في النهاية دفعت النزعة الفردية النظام السياسي الى ان يعطي للإنسان المعتز بفرديته الحرية السياسية، اي الديمقراطية ، فقط الديمقراطية تسمح للإنسان بالتعبير عن فرديته. ثم جرت تحولات على معنى الفردية، البعض قال انها تعني الانانية او البرغماتية والمصلحية او انها تقود للانعزال او حتى التضارب بين مصلحة الفرد ومصلحة غيره. على كل حال الفردية الاولى التي اشار اليها فلاسفة اليونان تعتبر هي القاعدة التي قام عليها المذهب الليبرالي والرأسمالي. لكن الفردية انتكست في عصر (الدولة الرومانية وفي ظل الكنيسة وابان الاقطاع) عندما تأسست الامبراطورية الرومانية فأنها قيدت الفردية لصالح قدسية الامبراطور والدولة ، وكذلك فعلت الكنيسة فهي ايضا اعتبرت الدين ورجاله الاساس في المجتمع ولا يحق للفرد التصرف بخلافها. والا قطاع فعل الشيء نفسه، اذا هيمن الملاك والسادة على شرائح المجتمع وصادروا الشعور الفردية. ثم عادت الفردية للانتعاش في مرحلة التنوير والاصلاح الديني ، اي مرحلة ما بعد العصور الوسطى او المظلمة … حيث زادت قوة الطبقة الوسطى وظهور المذهب البروتستانتي المطالب بتحرر الانسان واصلاح الكنيسة. واستمرت الفردية بالارتفاع خاصة بعد ان تحولت الى جوهر للمذهب الرأسمالي .. ثم ارتبطت لاحقا بحقوق الانسان ، وصارت حقا، نصت عليها المواثيق والمعاهدات الدولية مثل معاهدات حقوق الانسان، ولازالت تشكل جوهر الفلسفة الليبرالية الجديدة.

?>