حدثنا احد الاصدقاء عن موقف صادفه في احد ايام طفولته ، والذي يتمثل في ذهابه مع والده الى احد الدواوين التي يجتمع فيها ابناء القرية (التعليلة) ، وكيف بدأ احد الحاضرين بالتحدث عن شيء عجيب بالنسبة لطفل صغير مثل صديقنا المتحدث، ولكن هذا الشيء العجيب هو معروف لأبناء المجتمع ، ويسمى بالواسطة ، ولكي لا يكشف ذلك الرجل امر واسطته فأنه احجب عن ذكر اسمه واستمر يتحدث بالألغاز والاشارات، مثلا قال لي الواسطة، جاء الواسطة، ذهب الواسطة، حلف الواسطة، غدا سوف اذهب الى الواسطة. ظل صديقنا ينتظر من يقول له ماهي الواسطة دون جدوى، فبدأ يفكر مع نفسه ويحاول ان يستخدم عقله العاطل عن العمل ، لعله يستطيع ان يعرف ماذا يقصد هذا الرجل بحديثه الطويل عن الواسطة، ولكنه في النهاية كان قد ذهب بعيدا عندما تصورها شيء من المخلوقات التي كانت جدته تحدثه عنها. ولم يتعرف صديقنا على الواسطة الا بعد ان احتاجها في يوم من الايام ، وقرأ عنها فوجد بأن الواسطة ، هي وسيلة مشروعة لتحقيق غايات واهداف قد تكون غير مشروعة، ولكن كيف يمكننا ان نفهم ذلك؟ المقصود بهذا التعريف هو ان مساعدة انسان للإنسان الاخر، من اجل قضاء حوائجه هو امر مشروع دينا ودنيا، وبذلك تكون عملية طلب المساعدة من انسان هي عملية مشروعة ، ولكن الجانب غير المشروع في العملية لا دينا ولا دنيا ، هو ان تكون هذه المساعدة على حساب الاخرين ، والاخرين هنا قد يكونون افرادا او اشخاصا معنوية كالدائرة والمؤسسة ، و … وصحيح ان الواسطة كانت موجودة في المجتمع العراقي منذ القدم ، وكانت تتم بصور مختلفة ، كأن يتدخل شيخ العشيرة او رجل الدين لتسهيل خطوبة فلان على فلانة او لمنع الحكومة من القيام بعمل ما ضد العشيرة او المنطقة الفلانية، كالطلب من الحكومة الكف او تقليل عملية جمع الضرائب ، او غيرها … اما بعد 2003 ، فقد اصبحت الواسطة من بديهيات الحياة ، وهي من القوانين المعترف بها من قبل الدولة والمؤسسات الحكومية، ولكنها غير مكتوبة ، فبالنسبة للتعيين فأن الواسطة هي المستمسك الخامس والاهم والاكثر نفعا من بين المستمسكات الاخرى ، أي من يريد التقديم الى وظيفة مهما كانت ، فعليه ان يقدم المستمسكات الاتية (الواسطة ، هوية الاحوال المدنية ، شهادة الجنسية العراقية ، البطاقة الخضراء ، البطاقة التموينية). والقبول في الدراسة الصباحية والمسائية يحتاج الى واسطة ، الوصول الى البرلمان يحتاج الى واسطة على شكل محاصصة وتوافقية ، والخروج من السجن ومن حبل المشنقة يحتاج الى واسطة ، حتى الذهاب لأداء فريضة الحج يحتاج الى واسطة.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة