الجزء الثاني
ومن تلك الشخصيات الخرافية التي يعرفها كل العراقيين، وكان الكثير منهم يخافها في ايام الطفولة، هو المخلوق الذي لم تثبت الايام صحة وجوده الى يومنا الحاضر، الا وهو (السعلوة) ، التي يرجع لها العراقيون كل اعمال الشر الدنيئة والخسة والنذالة وقلة الشرف، فهي تأكل لحم الانسان، ولها القدرة على تغيير شكلها، فأحيانا تظهر بهيئة طير واحيانا ذئب ومرات على شكل بني ادم .وهذا المخلوق كان من الادوات الناجحة التي تستخدمها الامهات لإسكات الاطفال اثناء الليل ، فأما ان يتناسى الطفل الجوع والعطش والحر والبرد الذي يدفعه للبكاء واما ان يواجه ارهاب الام عن طريق تهديده بإحضار السيدة سعلوة التي تجلس في الظلام وهي على اتم الاستعداد لالتهام أي طفل يعبر عن معاناته عن طريق البكاء. والعجيب في تلك الخرافات ان الام عندما ترويها وتحاول اخافة اطفالها ، تخاف هي في الوقت نفسه وتصدق ما تقوله لأطفالها مع انها تعلم علم اليقين من ان تلك الحكايات هي من نسج الخيال، ولا اساس لها من الصحة على ارض الواقع .اما وقتنا الحاضر، فقد انكشفت كل الالاعيب الكبار ومروياتهم غير الحقيقية التي كانوا يرهبون بها الاطفال، فالأطفال لم تعد الام ولا حتى الاب هو الجهة الوحيدة المسؤولة عن تربيتهم، بل ان هناك جهات اخرى اخذت تشترك في هذه العملية وربما انها قد فاقت دور الام والاب، فالتلفون ، والفيس بوك ، كلها قد علمت الاطفال قبل الكبار مالم يكونوا قد تعلموه من قبل ، بل ان الاطفال الذين تخلوا عقولهم من مشاكل الحياة واهاتها قد ملؤوها وسدوا فراغها بالصور والفيديوهات ذات المغازي المختلفة ، الديني وغير الديني ، الوطني وغير الوطني ، وهذه الظاهرة هي ردت فعل شبه طبيعية على الحرمان الذي كان يعيشه العراق (ولربما حتى بعض الدول الاخرى) حديثة العهد بالانفتاح الكامل على التقنية وعلى العالم. ولكي لا نبتعد عن موضوعنا، فمن ضمن الانعكاسات التي ترتبت على دخول المخترعات الحديثة على خط تربية الاطفال وتنشئتهم ،ان عرفوا بأن الفجائع التي تحدث في الحياة هي ليست بفعل السيدة السعلوة وهي بريئة منها براءة الذئب من دم النبي يوسف ، بل انها تحدث بفعل الانسان وبيده، فهو المخلوق الوحيد الذي يقتل ابناء جنسه وبالألاف ويسرقهم ويشردهم ويطردهم ، وان اغلب ما كانت ترويه الجدات من احاديث عن تلك المخلوقات يحتاج الى الدليل. ويزدحم الموروث الشعبي العراقي بالحكايات والاقاصيص الشعبية التي لو كانت لدى أي شعب اخر من شعوب الارض لأعتبرها جزءا من حضاراته ومن تاريخه، ولتغنى بها ولطوعها لتكون على شكل اعمال ادبية وتلفزيونية تخدم تنشئة الاطفال السياسية والاجتماعية..
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة