الجزء الاول
في احد ايام الشتاء الباردة، ذات الظلام الدامس، والرياح العاتية، ومياه الامطار التي سالت بسببها الوديان، وكثرت فيها المخلوقات الغريبة التي تنحدر من سلالة الشياطين، كان احد الشباب القروين يرعى بغنمه في تلك الاجواء المرعبة. ورغم تحذيرات اهل القرية المتكررة له من خطورة الذهاب بعيدا، الا ان الشاب لم يستمع للنصح، فخرج كعادته باتجاه الوادي المسمى بوادي الهلاك، وهناك حدث له مثلما حدث لعشرات الشباب من قبله، اذ سمع ابناء القرية صراخ الشاب طوال الليل وسمعوا ايضا اصواتا اخرى تملأ الوادي. لقد مر اليوم واليومان ولم يعد، وبعد حملات البحث المتكررة التي قام بها ابناء القرية من اهل واقارب، عثر الباحثون على اغنام ذلك الشاب مقتولة بصورة غريبة، حيث جفت اجسادها وتحولت الى مجرد الياف لحمية وجلد وعظام، بعد ان امتصت منها الدماء بشكل كامل، حتى الكلب لم يسلم من القتل حيث قطع رأسه وفصلت اطرافه عن بقية اعضاء جسمه .ولم يعثر على ذلك الشاب ابدا، ولكن العجيب انه عاد بعد عشرة اعوام ومعه اسرته، التي قال بأنه انجبها هو وزوجته التي اخذته الى اعماق النهر، وعلمته كيفية العيش تحت الماء، واكل اللحم مهما كان نوعه حتى لو كان لحما للبشر .ومنذ رجوع هذا الشاب بعد ان صار رجلا، والقرية تفقد في كل يوم احد افرادها، اما ان يوجد مقتولا او ميتا بصورة غير طبيعية، وفي النهاية افترست هذه العائلة جميع ابناء القرية، وعاشت وتكاثرت في مكانها، وبقيت تنجب الشر وتنشره الى بقية اماكن الارض، ولذلك فأن جميع الاشخاص الذين لا يتوانون عن القتل وترويع الناس هم ينحدرون من هذه العائلة التي للشياطين دور وصلة قربى معها .هذه صورة او واحدة من القصص والخرافات التي يتناقلها العراقيون في احاديثهم ومروياتهم الشعبية، وهي ليست وليدة هذا العصر ولا حتى الفترات القريبة التي سبقتها بل انها قديمة قدم العراق وحضاراته وتاريخه .ويعتبر العراق القديم موطنا لمثل هذه الحتوتات والحكايات التي لا تخلو من الاثارة والتشويق والجمالية في بعض الاحيان، الى الدرجة التي اخذت شعوب الارض تحسد العراقيين على هذا الكم الهائل من الحكايات الشعبية. والخرافة في بلاد الرافدين هي اقصوصة فيها شيء من المبالغة او انها تفتقر الى الدليل الثابت على صحتها، او ربما انها قد حدثت فعلا ولكنها مع مرور الزمان وتغير الاحوال وكثرة تناقلها من شخص الى اخر قد اضيف لها اشياء اخرى لم تكن موجودة في الرواية الاصلية، وبالتالي فقدت الكثير من معالمها، او حتى حذفت الكثير من تفصيلاتها وفصولها ايضا، وباتت تخالف الواقع المعاش وتناقض العقل والمنطق.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة